اسرائيليات

السّبت 21 فبراير 2026 3:42 صباحًا - بتوقيت القدس

خفايا القنوات الخلفية: كيف وظفت إسرائيل شبكة إبستين لتصدير تقنيات التجسس؟

تكشف الوثائق المسربة عن شبكة معقدة من العلاقات المالية والسياسية التي ربطت الممول الأمريكي الراحل جيفري إبستين بالنخبة الأمنية في إسرائيل، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك. بدأت هذه العلاقة تتخذ طابعاً مؤسسياً منذ عام 2013، حيث عمل إبستين كوسيط مالي واستراتيجي لفتح أسواق جديدة للصناعات العسكرية والسيبرانية الإسرائيلية في مناطق تعاني من اضطرابات سياسية.

تُظهر المراسلات أن إبستين لم يكن مجرد مستثمر، بل كان مهندس صفقات يربط بين رؤوس الأموال العالمية وتقنيات المراقبة الإسرائيلية الناشئة. ومن أبرز هذه الشركات شركة 'كارباين' (المعروفة سابقاً باسم ريبورتي)، التي تخصصت في تقنيات الاستجابة للطوارئ والمراقبة، والتي حظيت بدعم مالي من إبستين وإشراف مباشر من إيهود باراك قبل أن تُباع لاحقاً بمئات الملايين.

اعتمدت إسرائيل في تصدير تقنياتها الأمنية على ثغرات قانونية في نظام مراقبة الصادرات الدفاعية، مما سمح لها بالالتفاف على المعايير الدولية وحقوق الإنسان. وبما أن إسرائيل ليست عضواً في اتفاقية 'واسينار'، فقد وجدت في القنوات الخلفية التي أدارها إبستين وسيلة مثالية لتجاوز الرقابة الرسمية وتحقيق مصالح دبلوماسية وأمنية سرية.

في حالة ساحل العاج، تزامنت اللقاءات الرسمية بين بنيامين نتنياهو والرئيس الحسن واتارا في القدس عام 2012 مع اجتماعات سرية عقدها إبستين في نيويورك مع أفراد من عائلة واتارا. هذا المسار الموازي يعكس استراتيجية إسرائيلية تعتمد على بناء علاقات شخصية مع دوائر صنع القرار في الدول المستهدفة لتمهيد الطريق أمام العقود الأمنية الكبرى.

استخدم إيهود باراك نفوذه كوزير دفاع سابق لمنح مصداقية استخباراتية للصفقات التي كان يروج لها إبستين، متنقلاً بين صفته كرجل أعمال ومسؤول دولة سابق. وفي زيارته لأبيدجان عام 2013، قدم باراك مقترحات لبناء بنية تحتية للتنصت والاعتراض، مغلفاً إياها بغطاء إنساني يتمثل في بناء مستشفى طبي، وهو أسلوب شائع للتمويه على الأنشطة الأمنية.

لم تقتصر هذه الأنشطة على القارة الأفريقية، بل امتدت إلى منغوليا، حيث نسق إبستين زيارة لباراك في أبريل 2013 للقاء كبار مسؤولي الأمن القومي هناك. المراسلات تشير إلى أن إبستين كان يوجه باراك خطوة بخطوة، ويحثه على استغلال الاضطرابات المدنية في العالم لتحويلها إلى عوائد مالية مجزية عبر بيع منظومات المراقبة.

لعبت البنوك الخاصة السويسرية، مثل 'إدموند دي روتشيلد' و'جوليوس باير'، دوراً حيوياً في توفير الغطاء المالي والقانوني لهذه العمليات. فقد منحت هذه المؤسسات عقوداً استشارية لباراك وإبستين، مما سمح بتحويل عمولات الوساطة في صفقات السلاح والتجسس إلى أتعاب مهنية شرعية بعيدة عن أعين الرقابة المالية الدولية.

أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل هو تورط منظمات دولية مثل 'معهد السلام الدولي' في هذه الشبكة، حيث استُخدمت سمعة المعهد الدبلوماسية كواجهة لتسهيل الاستثمارات الأمنية. وقد اضطر رئيس المعهد، تيرييه رود لارسن، للاستقالة لاحقاً بعد انكشاف علاقاته المالية المشبوهة مع إبستين، مما سلط الضوء على اختراق الصناعة الأمنية الإسرائيلية للمؤسسات الدولية.

تُظهر الوثائق أن باراك استخدم أوراقاً رسمية تحمل شعار دولة إسرائيل لتقديم مقترحات عسكرية لدول أجنبية رغم كونه خارج الحكومة. هذا الخلط المتعمد بين القطاعين العام والخاص يعكس سياسة إسرائيلية تهدف إلى تسويق 'الخبرة القتالية' كمنتج تجاري، مع ضمان بقاء هذه العمليات تحت إشراف غير مباشر من الأجهزة الأمنية في تل أبيب.

بعد سنوات من العمل الدؤوب في القنوات الخلفية، بدأت النتائج تظهر على الأرض من خلال توقيع اتفاقيات أمنية رسمية بين إسرائيل وساحل العاج ومنغوليا. ولم يمضِ وقت طويل حتى رصدت تقارير تقنية استخدام برمجيات تجسس إسرائيلية مثل 'بيغاسوس' في هذه الدول، مما يؤكد أن القنوات غير الرسمية كانت مجرد تمهيد لفرض الهيمنة السيبرانية.

إن شبكة إبستين وفرت لإسرائيل وصولاً فريداً إلى نخب المال والسلطة في وادي السيليكون وفي العواصم الأفريقية والآسيوية على حد سواء. ومن خلال مهندسين ماليين مثل إبستين ومسؤولين أمنيين مثل باراك، تمكنت إسرائيل من بناء إمبراطورية لتصدير المراقبة تتجاوز حدود القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية.

تظل قضية ساحل العاج نموذجاً صارخاً لكيفية تحول الأزمات السياسية إلى فرص استثمارية لشركات الأمن الإسرائيلية. فبعد رفع حظر الأسلحة الأممي عن البلاد، كانت الشركات الإسرائيلية أول من دخل السوق بفضل الترتيبات المسبقة التي وضعها إبستين وباراك، مما يطرح تساؤلات حول دور إسرائيل في هندسة التغييرات السياسية لخدمة مصالحها التجارية.

إن 'صندوق أسرار' إبستين لا يزال يكشف عن خبايا علاقاته العميقة مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والتي يبدو أنها كانت تتجاوز مجرد الصداقات الشخصية إلى تحالفات استراتيجية. هذه التحالفات مكنت إسرائيل من تحويل تقنيات المراقبة إلى أداة ضغط سياسي وعملة تفاوضية في علاقاتها الدولية، بعيداً عن أي مساءلة حقوقية.

في نهاية المطاف، تبرز هذه القضية كيف تلاشت الحدود بين الدولة والشركات الخاصة في إسرائيل، حيث أصبح كبار المسؤولين السابقين يعملون كوكلاء مبيعات لتقنيات التجسس. ومع استمرار تكشف الوثائق، يظهر أن ما عُرف عن علاقة إبستين بإسرائيل ليس سوى قمة جبل الجليد في منظومة عالمية للمراقبة والسيطرة السيبرانية.

دلالات

شارك برأيك

خفايا القنوات الخلفية: كيف وظفت إسرائيل شبكة إبستين لتصدير تقنيات التجسس؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.