عربي ودولي

الجمعة 20 فبراير 2026 6:41 مساءً - بتوقيت القدس

خامنئي في مواجهة الاختبار الأصعب: ضغوط أمريكية وانهيار في النفوذ الإقليمي

يجد الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، نفسه اليوم أمام المنعطف الأخطر منذ توليه السلطة قبل نحو 36 عاماً، حيث تتزامن الضغوط الداخلية المتصاعدة مع تهديدات خارجية وجودية. وتأتي هذه الأزمة في وقت تسابق فيه الدبلوماسية الإيرانية الزمن لتفادي غارات جوية محتملة لوحت بها الولايات المتحدة، مما يضع استقرار النظام على المحك.

ويعاني الداخل الإيراني من حالة سخط شعبي واسعة النطاق جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية الناجم عن العقوبات الدولية الصارمة. وقد تجلى هذا الغضب في احتجاجات يناير الماضي التي واجهتها السلطات بقبضة حديدية، مما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا في مواجهات وصفت بأنها الأكثر دموية منذ عقود.

على الصعيد الإقليمي، تبدو سياسة طهران في حالة تراجع غير مسبوقة بعد عقود من التوسع، حيث أدت الضربات الإسرائيلية المكثفة إلى إضعاف قدرات حزب الله في لبنان بشكل كبير. كما شكل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا ضربة قاصمة لمحور النفوذ الإيراني، مما أفقد طهران جسراً استراتيجياً حيوياً في المنطقة.

وتواجه القيادة الإيرانية الآن مطالب أمريكية حازمة بضرورة التخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية، الذي تعتبره طهران ورقة الضغط الاستراتيجية الأخيرة ووسيلة الردع الوحيدة المتبقية. ورغم إبداء مرونة حيال الملف النووي، إلا أن خامنئي لا يزال يرفض المساس بالقدرات الصاروخية، معتبراً إياها خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات حديثة أنه يدرس بجدية توجيه ضربات عسكرية محدودة للضغط على طهران من أجل انتزاع اتفاق شامل. هذا التلويح بالقوة يضع خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، أمام خيارات صعبة تتراوح بين المواجهة العسكرية المباشرة أو تقديم تنازلات مؤلمة.

وتعتمد حسابات خامنئي الحالية على تاريخ طويل من العداء للغرب وتجربة شخصية تشكلت في خضم الثورة الإسلامية والحرب مع العراق. ويمتلك المرشد السلطة المطلقة في اتخاذ القرارات السيادية، حيث تخضع كافة مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية لإشرافه المباشر، مما يجعل مصير البلاد مرتبطاً بقراره الشخصي.

ورغم تشدده الأيديولوجي المعروف، أظهر خامنئي في محطات سابقة قدرة على التراجع التكتيكي عندما يشعر بتهديد حقيقي لبقاء النظام. ويبرز مفهوم 'المرونة البطولية' كأداة شرعية استخدمها في عام 2013 لتبرير الدخول في مفاوضات الاتفاق النووي، وهو ما قد يتكرر في الأزمة الراهنة.

ويرى مراقبون أن إحكام القبضة الأمنية عبر الحرس الثوري وقوات الباسيج يظل الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها خامنئي لمواجهة الاضطرابات. وقد أثبتت هذه القوات ولاءها المطلق للمرشد في قمع موجات الاحتجاج المتلاحقة، سواء في عام 2009 أو خلال أحداث مهسا أميني في 2022.

وإلى جانب القوة العسكرية، يستند خامنئي إلى إمبراطورية مالية ضخمة تُعرف باسم (ستاد)، وهي مؤسسة شبه حكومية تسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني. وتوفر هذه المؤسسة، التي تقدر قيمتها بعشرات المليارات، الموارد اللازمة لتمويل العمليات الأمنية ودعم الحرس الثوري بعيداً عن الرقابة البرلمانية.

وتشير التقارير إلى أن محاولة الاغتيال التي تعرض لها خامنئي في مطلع الثمانينيات تركت أثراً عميقاً في شخصيته، حيث يميل إلى السرية المفرطة والحذر من الخيانة. هذا القلق الدائم ينعكس على هيكلية الحكم في إيران، حيث يتم توزيع الصلاحيات بطريقة تضمن عدم ظهور أي منافس قوي لسلطته.

وفي ظل الحشد العسكري الأمريكي المتزايد في المنطقة، تترقب الأوساط الدولية الخطوة القادمة من طهران، وما إذا كانت ستميل نحو التهدئة أم التصعيد. إن التاريخ السياسي للمرشد يشير إلى أنه يفضل إطالة أمد المفاوضات لكسب الوقت، لكن الهامش المتاح له الآن يبدو أضيق من أي وقت مضى.

لقد تحول خامنئي من رئيس وُصف بالضعف في بداية عهده إلى واحد من أقوى الزعماء في تاريخ إيران الحديث بفضل دهاء سياسي وبناء جهاز أمني مخلص. إلا أن التحديات الراهنة، المتمثلة في انهيار الحلفاء الإقليميين والتهديد الأمريكي المباشر، تضعه أمام اختبار لم يسبق له مثيل منذ عام 1989.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن مبعوثي طهران يبذلون جهوداً مضنية في قنوات خلفية لتجنب الصدام العسكري المباشر مع واشنطن. ومع ذلك، فإن التمسك بالبرنامج الصاروخي قد يجهض هذه الجهود، خاصة مع إصرار الإدارة الأمريكية الجديدة على تغيير السلوك الإيراني بشكل جذري.

في نهاية المطاف، سيبقى الحفاظ على ديمومة الجمهورية الإسلامية هو الهدف الأسمى الذي قد يدفع خامنئي لتجرع 'كأس السم' مرة أخرى، على غرار ما فعله سلفه الخميني عند إنهاء الحرب مع العراق. إن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت 'المرونة البطولية' ستنقذ النظام مجدداً أم أن المواجهة باتت حتمية.

دلالات

شارك برأيك

خامنئي في مواجهة الاختبار الأصعب: ضغوط أمريكية وانهيار في النفوذ الإقليمي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.