أثار قرار وزارة العدل الأمريكية، بقيادة بام بوندي، التوقف عن كشف المزيد من الوثائق المتعلقة بملف المجرم جيفري إبستين، موجة من التساؤلات حول الجدوى من النشر الجزئي الذي لم يتجاوز نصف المخزون المتوفر. فبعد الكشف عن نحو 3.5 مليون وثيقة من أصل 6 ملايين، يبدو أن العاصفة التي ضربت النخب العالمية بدأت تخبو بقرار سياسي، مما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات عن مصير بقية المتورطين الذين لم تنلهم يد العدالة بعد. إن هذا التوقف يمنح 'قبلة حياة' لشخصيات نافذة كانت تخشى أن تطالها قوائم العار في هذه الجريمة العابرة للقارات.
ويرى مراقبون أن استراتيجية تسريب الوثائق منذ البداية لم تكن تهدف بالضرورة إلى إرساء قيم العدالة، بل ربما كانت وسيلة للتخلص من عبء الملف عبر نشر ما يناسب جهات معينة. لقد كان الهدف هو إحداث صدمة مؤقتة في الوعي الجمعي من خلال تورط أسماء لامعة من ملوك وسياسيين ورؤساء جامعات، لإيصال رسالة مفادها أن الجميع 'قذرون'. هذا الأسلوب في التعاطي مع الفضيحة يهدف إلى دفع العالم نحو 'التطبيع' مع الجريمة وتحويلها إلى مجرد مادة للتسلية والقصص المثيرة بعيداً عن المحاسبة القانونية الفعلية.
ومن اللافت في الوثائق التي سُربت حتى الآن غياب أسماء ثقيلة كان من المتوقع ظهورها، وعلى رأسها غياب اسم رئيس أكبر دولة في العالم، رغم شهرة بعض القادة بعلاقاتهم المتشعبة. كما يبرز تساؤل جوهري حول خلو القوائم من المسؤولين الإسرائيليين، باستثناء رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك، الذي ظهر في سياق أدوار ثانوية. هذا الانتقاء في الأسماء يثير الشكوك حول وجود 'ماكينة' خفية تدير عملية النشر وتتحكم في خيوط اللعبة لحماية أطراف بعينها وضمان عدم انهيار توازنات سياسية كبرى.
اتضح مع قرار وقف النشر أن الغاية لم تكن كشف الحقيقة، بل إغراق الوعي وإلهاء العالم بالتفاصيل والتشويق حتى يتعود، ثم يمل، فينسى فينجو كبار المجرمين.
إن قضية إبستين، التي بدأت فصولها منذ أول شكوى في عام 1996، تكشف عن وجود منظومة إجرامية دولية معقدة استطاعت حماية نفسها لعقود طويلة. لقد نجح هذا 'الأخطبوط الغامض' في تحويل جرائم مروعة بحق قاصرات إلى مسلسل تلفزيوني طويل يغرق المشاهد في تفاصيل ثانوية تلهيه عن الجوهر. وبالرغم من وصف الأمم المتحدة لهذه الشبكة بأنها مؤسسة إجرامية، إلا أن الجهود المبذولة لإبقاء الحقيقة غائبة لا تزال مستمرة، مما يجعل الضحايا فريسة دائمة للشعور بالظلم والإذلال أمام نفوذ الجناة.
ورغم محاولات وأد الحقيقة، فإن عصر الفضاء السيبراني يفرض تحديات جديدة على من يحاولون طمس معالم الجريمة، حيث إن ما يدخل عالم الإنترنت لا يمكن السيطرة عليه للأبد. إن هذه المرحلة قد لا تعدو كونها 'استراحة محارب' في مسار كشف الفضائح، إذ إن الوثائق المتبقية ستظل تطارد المتورطين مهما طال الزمن. وكما عجزت الأموال والجهود عن طمس الحقائق الإنسانية في قضايا كبرى مثل غزة، فإن حقيقة 'المؤسسة الإجرامية الدولية' ستخرج يوماً ما من بين الركام لتواجه العالم بوجهها القبيح.





شارك برأيك
توقف مفاجئ في كشف وثائق إبستين: هل نجحت 'الماكينة' في حماية كبار المجرمين؟