تحليل إخباري
تتجه الأزمة بين واشنطن وطهران إلى منعطف حاد، بعد أن أفادت شبكة "سي بي إس نيوز" بأن كبار مستشاري الأمن القومي الأميركي أبلغوا الرئيس دونالد ترمب بأن الجيش الأميركي قد يكون جاهزاً لشن ضربات على إيران ابتداءً من يوم السبت، إذا أصدر ترمب الأمر بذلك. غير أن القرار، وفق المصادر نفسها، لم يُحسم بعد، مع توقعات بأن يمتد الجدول الزمني لاتخاذه إلى ما بعد نهاية الأسبوع الجاري.
هذا التردد لا يعني بالضرورة غياب النية، بل قد يعكس طبيعة إدارة ترمب التي تميل إلى إبقاء القرار النهائي في يده حتى اللحظة الأخيرة، وإلى استخدام الغموض كأداة ضغط. فالمشهد الحالي يوحي بأن واشنطن تمسك بخيطين في آن واحد: التلويح بالقوة لإجبار إيران على تنازلات سياسية، والإبقاء على نافذة دبلوماسية تمنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا يمكن ضبط تداعياتها بسهولة.
وبينما تُقدَّم هذه الاستعدادات في العلن بوصفها "إجراءات احترازية"، فإن التفاصيل المرافقة لها تذهب أبعد من ذلك. إذ نقلت "سي بي إس نيوز" أن وزارة الدفاع الأميركية تعتزم نقل بعض أفرادها من الشرق الأوسط بصورة مؤقتة خلال الأيام المقبلة، تحسباً لهجوم إيراني مضاد في حال شنت الولايات المتحدة ضربة. كما أشارت تسريبات أخرى إلى أن القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة مطالبة بأن تكون في أعلى درجات الجاهزية بحلول منتصف آذار. وفي حسابات الردع، لا تُتخذ مثل هذه الخطوات عادةً لمجرد الاستعراض، بل لتقليل كلفة المفاجأة إذا فُتحت أبواب المواجهة.
في الوقت نفسه، يتعزز البعد الإسرائيلي في الأزمة. فقد نسب موقع "تايمز أوف إسرائيل" لمسؤول أميركي قوله أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو سيزور إسرائيل في 28 شباط للقاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، في لحظة تتزايد فيها التقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن ترمب قد يلجأ إلى الخيار العسكري قريباً، خاصة بعد تعثر المفاوضات النووية. وتبدو الزيارة هنا أكثر من مجرد محطة دبلوماسية، بل كجزء من تنسيق سياسي وأمني يُراد له أن يظهر متماسكاً أمام طهران، ويبعث برسالة أن أي ضربة أميركية محتملة لن تكون معزولة عن موقف تل أبيب، بحسب الموقع.
غير أن المشهد لا يقتصر على الإشارات العسكرية. ففي أعقاب المحادثات الأميركية الإيرانية في جنيف، قال مسؤول أميركي رفيع لوكالة "رويترز" إن من المتةقع أن تقدم إيران مقترحاً مكتوباً حول كيفية تجنب المواجهة مع الولايات المتحدة. وبالمعنى السياسي، فإن تقديم مقترح مكتوب لا يعني فقط رغبة في التفاوض، بل محاولة لإعادة صياغة مسار الأزمة وفق قواعد أكثر وضوحاً، أو على الأقل لتجنب أن تتحول لغة التهديد إلى قرار نهائي. ومع ذلك، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن الفجوات لا تزال كبيرة، لا سيما في ما يتعلق بمطلب واشنطن الأساسي: التخلي عن تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وهو مطلب تعتبره طهران تجاوزاً للخطوط الحمراء.
وفي إسرائيل، تتقدم الاستعدادات بوتيرة توحي بأن السيناريوهات العسكرية باتت مطروحة بجدية. فقد ذكرت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل تستعد لاحتمال تلقي "ضوء أخضر" أميركي لشن هجوم على منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية. وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن استهداف الصواريخ يرتبط بقرار أميركي محتمل بشأن توجيه ضربة لطهران، بينما تحدثت صحيفة "هآرتس" عن تنسيق وثيق بين البلدين في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والاتصالات العسكرية. وهذا النوع من التنسيق، إذا صح، يشير إلى أن الخيارات العسكرية تُبحث بوصفها عملية مشتركة أو متداخلة، لا مجرد ضربة منفصلة من طرف واحد.
ويزداد هذا الانطباع مع ما نشرته "يديعوت أحرونوت" عن توجيه نتنياهو قيادة الجبهة الداخلية وأجهزة الإنقاذ بالاستعداد للحرب، بالتزامن مع تأجيل اجتماع المجلس الوزاري الأمني المصغر ("الكابينت"). فالاستنفار الداخلي لا يُقرأ فقط كإجراء دفاعي، بل كجزء من إدارة الرأي العام وتهيئة الجبهة الداخلية لاحتمالات التصعيد. كما نقلت "يسرائيل هيوم" ترجيحات بحدوث رد صاروخي إيراني بعيد المدى إذا نُفذت ضربة واسعة، مع توقعات بأن إسرائيل قد لا تتردد في الانضمام إلى واشنطن إذا انطلقت العمليات.
على أن المعضلة الأساسية تكمن في أن الضربة، إن حدثت، قد لا تبقى "محدودة" كما يُروّج عادة. فإيران تمتلك شبكة خيارات للرد لا تنحصر في جبهة واحدة: من استهداف مصالح وقواعد، إلى تفعيل حلفاء إقليميين، وصولاً إلى توسيع نطاق الاشتباك بحيث يتحول من ضربة عقابية إلى مسار تصعيدي طويل. وهنا تبرز مفارقة الردع: ما يُفترض أنه ضغط لمنع الحرب قد يصبح ذاته الشرارة التي تفتحها.
سياسياً، لا يمكن فصل التصعيد عن المشهد الإقليمي والدولي الأوسع. فبينما تواصل سلطنة عُمان لعب دور الوسيط، إذ رعت جولة مفاوضات في جنيف بعد جولة سابقة في مسقط، تتزايد الحشود العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. وفي المقابل، تبرز مناورات مشتركة بين روسيا والصين وإيران في بحر العرب وشمال المحيط الهندي، في رسالة مفادها أن طهران ليست معزولة بالكامل، وأنها تملك هامشاً للتحرك ضمن شبكة علاقات دولية مضادة للنفوذ الأميركي. هذا التوازي بين الدبلوماسية والحشد العسكري يجعل الأزمة أقرب إلى لعبة "حافة الهاوية" منها إلى مسار تفاوضي تقليدي.
وفي خضم هذه الصورة، يرى بعض المراقبين أن واشنطن وتل أبيب قد تكونان بصدد شن "حرب أعصاب" محسوبة ضد إيران، تقوم على رفع سقف التهديد وتسريب مؤشرات الجاهزية العسكرية، بهدف دفع طهران إلى تقديم مزيد من التنازلات دون الحاجة إلى إطلاق شرارة الحرب. غير أن هذا النهج يحمل مخاطرة مزدوجة: فمن جهة قد يدفع إيران إلى تشديد مواقفها بدل التراجع، ومن جهة أخرى يمنح إسرائيل مساحة أكبر للتأثير في القرار الأميركي، بما قد يجعل التصعيد يتغذى على نفسه، ويحول الضربة من خيار سياسي إلى نتيجة شبه حتمية لمسار متسارع.
وتبدو إدارة ترمب وكأنها تفاوض من داخل منطق القوة لا منطق التسوية. لكن القوة، في بيئة إقليمية مشحونة، ليست أداة ضغط محايدة؛ إنها مقامرة على ردود فعل يصعب توقعها، وعلى قدرة الأطراف على ضبط حدود النار. وفي ظل تشابك المصالح والاصطفافات، قد يتحول أي قرار بالضربة إلى اختبار شامل للمنطقة، لا لإيران وحدها.





شارك برأيك
ترمب أبلغ من قبل مستشاريه أن الولايات المتحدة جاهزة لمهاجمة إيران السبت في حال أمر بذلك