تواجه دولة الاحتلال في الآونة الأخيرة زلزالاً سياسياً متواصلاً يعيد صياغة قواعد اللعبة الدولية وتوازن القوى العالمي. وفي ظل الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المتصاعدة بين واشنطن وبكين، تجد إسرائيل نفسها في مأزق البحث عن مكان ثابت على خريطة القوى الجديدة التي تتشكل ملامحها حالياً.
ويرى ميخا أفنيميلخ، المسؤول السابق في وزارة المالية الإسرائيلية والخبير الاستراتيجي أن إسرائيل تعاني من حالة من القلق والإهانة نتيجة أحداث العامين الماضيين. وأشار إلى أن صعود القوى المتطرفة التي تسعى لفرض سيطرة مطلقة من النهر إلى البحر يعرقل أي جهود حقيقية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي.
وأوضح أفنيميلخ أن محاولة كبح جماح التيارات الدينية اليمينية داخل الحكومة الإسرائيلية باتت مهمة شاقة ومليئة بالتحديات الجسيمة. واعتبر أن السلوك المفرط في استخدام القوة وتجاهل مبادئ القانون الدولي جعل من إسرائيل طرفاً غير مرغوب فيه في المحافل الدولية، مما يعمق عزلتها السياسية.
وانتقد الخبير الاستراتيجي بشدة النهج الذي يتبعه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واصفاً إياه بالتبعية الخطيرة للولايات المتحدة وللرئيس دونالد ترامب. وأكد أن ترامب يمثل مصالحه الشخصية والسياسية أولاً، والتي قد لا تتقاطع بالضرورة مع المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد لدولة الاحتلال.
كما لفت إلى أن سياسة نتنياهو تقتصر على محاولات التملق والتذلل أمام ترامب خلال زياراته المتكررة، مع إهمال شبه تام لبناء تحالفات مع شركاء دوليين آخرين. وحذر من أن بناء الاستراتيجيات الوطنية على شخص واحد متقلب المزاج وغير متوقع يعد خطأً فادحاً قد تدفع إسرائيل ثمنه باهظاً.
ووصف أفنيميلخ فترة رئاسة ترامب بأنها قد تكون حدثاً عابراً في التاريخ، بينما سيبقى الضرر الذي ألحقه الإسرائيليون بأنفسهم قائماً. وأشار إلى أن الدولة تتصرف بناءً على اعتبارات تكتيكية ضيقة ونزعات مسيحانية متعصبة بدلاً من التفكير العقلاني الذي يسعى لحلول مستدامة.
وبعد أن كانت إسرائيل تُصنف في السابق كشريك مرغوب فيه للتعاون الإقليمي، يرى الخبير أنها اليوم تنفر شركاءها المحتملين بأفعالها العدائية. وأصبح يُنظر للإسرائيليين في الساحة الدولية كمثيري مشاكل ومصدر لعدم الاستقرار، بدلاً من كونهم مساهمين في بناء التحالفات الأمنية والاقتصادية.
الاستراتيجيات لا تبنى على شخص واحد ومصالحه، ولا على رئيس متقلب المزاج وغير متوقع مثل ترامب.
وتطرق التحليل إلى السلوك الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية، واصفاً إياه بالتخريبي الذي ينتهك الأعراف الدولية بشكل صارخ. وأكد أن هذا السلوك المدفوع بدوافع أيديولوجية متطرفة أدى إلى تدويل الصراع بشكل لم يسبق له مثيل، مما أضعف الموقف الإسرائيلي التفاوضي.
وأشار أفنيميلخ إلى أن دخول دول مثل تركيا وقطر بقوة في ملف غزة، واستمرار سيطرة حركة حماس على القطاع، يعكس خسارة استراتيجية واضحة للاحتلال. ورغم الإنجازات العسكرية الميدانية، إلا أن إسرائيل لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق أي نصر سياسي ملموس يمكن صرفه دولياً.
وحذر الخبير من أن الخطاب السياسي لنتنياهو يحاول إخفاء هذا الفشل الاستراتيجي، لكن الواقع يثبت أن الضغط الدولي يتزايد للتوافق مع مصالح واشنطن فقط. واعتبر أن غياب الأفق السياسي والرفض المستمر للحوار المحترم مع دول المنطقة يدفع إسرائيل نحو هاوية سياسية.
ودعا أفنيميلخ إلى ضرورة العودة الفورية للحوار المفتوح مع العناصر المعتدلة في الشرق الأوسط ومع المجتمع الدولي بشكل عام. وأكد أن الاستعداد للتوصل إلى اتفاق يشمل السلطة الفلسطينية هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من مكتسبات إسرائيلية ومنع انهيار مكانتها.
وشدد على أن القوة العسكرية والتكنولوجية التي تمتلكها إسرائيل يجب أن تقترن بنضج سياسي ورؤية واسعة قادرة على تقديم تنازلات وتسويات. وطالب القوى السياسية الجادة داخل الكيان بوضع خطة شاملة وواقعية تمكنها من العودة للمشاركة الفعالة في الساحة الدولية قبل فوات الأوان.
وتأتي هذه القراءة في وقت تسعى فيه قوى كبرى مثل روسيا والصين وإيران لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي على حساب التوازنات التقليدية. كما أن طموحات دول الخليج في تحويل ثرواتها إلى قوة سياسية فاعلة قد تتقاطع مع مصالح الاحتلال وتزيد من تعقيد موقفه الاستراتيجي.
وفي الختام، حذر الخبير من أن استمرار النهج الحالي سيحول إسرائيل إلى مجرد 'طبق على موائد العالم' تتقاسمه القوى الكبرى وفق مصالحها. وأكد أن النجاة تتطلب تغييراً جذرياً في القيادة والتوجهات السياسية، والابتعاد عن الأوهام المسيحانية التي تقود الدولة نحو انتحار سياسي.





شارك برأيك
تحذيرات إسرائيلية من 'عزلة دولية' وتبعية مطلقة لترامب تهدد مستقبل الاحتلال