تحليل

الأحد 15 فبراير 2026 6:05 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الدعاية والواقع: قراءة في تطور القدرات الصاروخية من 'الظافر' إلى 'خيبر'

تعيد الذاكرة التاريخية إنتاج مشاهد من ذكرى ثورة يوليو 1952، حين ضجت العناوين بإعلان مصر عن إطلاق صاروخ بمدى 600 كيلومتر، في مشهد احتفالي تصدره الرئيس جمال عبد الناصر. ورغم الهالة التي أحيطت بالمشروع، كشفت الوقائع لاحقاً أن تلك الانتصارات التقنية كانت أقرب للحملات الدعائية منها للإنجازات العسكرية الميدانية. فقد تبين أن ما اخترق السماء حينها لم يكن سوى مقذوفات صُممت لتبدو كصواريخ حقيقية دون امتلاك فاعليتها.

لقد مارست الصحافة الغربية في تلك الحقبة دوراً مشبوهاً عبر تضخيم القدرات الاستراتيجية العربية، وتصويرها كخطر وجودي يهدد تل أبيب ويزعزع استقرار المنطقة. ومع حلول لحظة الاختبار الحقيقي في عام 1967، تبخرت تلك الادعاءات في غضون ساعات قليلة، حيث حُسمت المعركة لصالح الاحتلال الإسرائيلي بشكل ساحق. هذا النمط من المبالغة تكرر أيضاً مع الجيش العراقي قبيل حرب 1991، حين صُنف كقوة عالمية ثالثة قبل أن تنهار دفاعاته بسرعة غير متوقعة.

يطرح هذا التكرار تساؤلات ملحة حول الدوافع الكامنة وراء تضخيم قدرات الخصوم من قبل وسائل الإعلام العالمية والمجمعات الصناعية العسكرية. ويبدو أن توظيف 'فوبيا الخوف' يهدف بالأساس إلى استنفار الرأي العام وتهيئة المناخ لبناء تحالفات دولية وتبرير التدخلات العسكرية المباشرة. كما يساهم هذا النهج في تسهيل تمرير صفقات التسليح الضخمة ورفع ميزانيات الدفاع تحت ذريعة مواجهة أعداء 'عمالقة' لا يقهرون.

في المشهد الراهن، يبرز الصاروخ الإيراني 'خيبر' كمتغير جديد في معادلة الردع الإقليمية، حيث يتميز برأس حربي ثقيل يصل وزنه إلى 1800 كيلوغرام. وتشير التقارير الفنية إلى أن هذا الطراز يتفوق بأربعة أضعاف على الحمولات التدميرية للصواريخ السابقة، مع قدرة تقنية على حمل رؤوس نووية وتعديل المسار بدقة عالية. هذه المواصفات تمنحه القدرة النظرية على إصابة أهداف متحركة وحيوية في عمق البحار أو داخل المنشآت الحساسة.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه واشنطن وحليفها الكيان الصهيوني يكمن في إمكانية تحول أي مواجهة تكتيكية إلى هزيمة استراتيجية شاملة تمس هيبة القوى الكبرى. فاستهداف بارجة أمريكية أو منشأة إسرائيلية حيوية كالمفاعلات النووية أو البنية التحتية المائية سيضع معادلة الردع أمام اختبار وجودي. ورغم شراسة الرد المتوقع، إلا أن حقيقة تآكل ركائز الردع التقليدية باتت أمراً واقعاً يصعب القفز فوقه منذ أحداث طوفان الأقصى.

ختاماً، يختلف صاروخ 'خيبر' عن تجارب الماضي كونه يمثل واقعاً مادياً أثبت فاعليته في ميادين الاختبار الفعلي ووصل إلى أهداف داخل الأرض المحتلة. ورغم احتمالية وجود مبالغات لأغراض الحرب النفسية، إلا أن القدرات الإيرانية لم تعد مجرد عناوين صحفية صاخبة كما كان الحال في الستينيات. وتبقى الحقيقة الكاملة رهينة اللحظة التي قد تقرر فيها طهران تحويل تهديداتها إلى واقع ميداني شامل.

دلالات

شارك برأيك

بين الدعاية والواقع: قراءة في تطور القدرات الصاروخية من 'الظافر' إلى 'خيبر'

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.