تشهد العاصمة السورية دمشق تحولات اجتماعية غير مسبوقة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، حيث بدأت ملامح عودة الجالية اليهودية السورية تظهر في العلن. وأفادت مصادر صحفية بأن فندق 'رويال سميراميس' بوسط المدينة بات يخصص ركناً في مطبخه لإعداد طعام 'الكوشر' وفق الشريعة اليهودية، في مشهد لم تألفه البلاد منذ عقود طويلة من القطيعة والهجرة.
تأتي هذه الخطوة استجابة لتزايد أعداد الزوار اليهود من أصول سورية الذين بدأوا بالتوافد إلى بلادهم الأم لاستكشاف الفرص الجديدة وتفقد ممتلكات عائلاتهم. ويشرف طهاة سوريون على إعداد أطباق تقليدية مثل المحمرة والحمص، ولكن مع الالتزام الصارم بقواعد الفصل بين اللحوم والألبان واستخدام أدوات مائدة مخصصة ومغلفة بالبلاستيك لضمان خصوصية الطعام.
وعبر الطاهي عبد الرحمن قهوهجي، الذي يعمل في الفندق، عن انفتاحه على هذه الأفكار الجديدة، مشيراً إلى أن عمله السابق في لبنان والعراق أكسبه خبرات متنوعة، لكنها المرة الأولى التي يتعامل فيها مع متطلبات 'الكوشر' داخل سوريا. وتعكس هذه التصريحات حالة التغير الثقافي التي بدأت تتسلل إلى المؤسسات السياحية في العاصمة السورية.
تاريخياً، كانت سوريا تحتضن جالية يهودية نابضة بالحياة تضم نحو 30 ألف نسمة يتوزعون بشكل رئيسي في دمشق وحلب والقامشلي. ومع اندلاع الحروب والاضطرابات السياسية التي أعقبت قيام دولة الاحتلال، غادر معظمهم البلاد، ولم يتبقَ في دمشق اليوم سوى ستة يهود سوريين فقط يحاولون الحفاظ على ما تبقى من إرثهم.
يقود رجل الأعمال جوزيف جاجاتي، البالغ من العمر 32 عاماً، جهوداً حثيثة لتنظيم رحلات لليهود السوريين المقيمين في الولايات المتحدة عبر مؤسسة 'الفسيفساء السورية'. ويهدف جاجاتي من خلال هذه المبادرات إلى إعادة ربط الجالية بجذورها، مؤكداً أن توفير طعام الكوشر هو خطوة أساسية لتشجيع العائلات على العودة المؤقتة أو الدائمة.
وفي رحلته الأخيرة في ديسمبر الماضي، جلب جاجاتي معه نحو 23 كيلوغراماً من لحوم الكوشر من نيويورك لضمان إقامة مأدبة عشاء تتوافق مع المعايير الدينية. كما استثمر الفندق في شراء معدات شواء وأطباق جديدة، حيث تلقى الطهاة تدريبات خاصة حول كيفية التعامل مع هذه المتطلبات الغذائية الدقيقة.
وبعيداً عن المطبخ، تبرز قضية الممتلكات والعقارات كأحد أكبر التحديات التي تواجه العائدين، حيث يسعى الكثيرون لاستعادة منازل ومتاجر فقدوها خلال العقود الماضية. وتشير التقارير إلى أن العديد من هذه الأملاك تعرضت للاستيلاء من قبل النظام السابق أو تم تأجيرها وبيعها لمواطنين آخرين، مما يجعل استردادها عملية قانونية معقدة.
لسنا ضيوفاً، نحن مالكو هذا الكنيس؛ هذه مجرد بداية لطموح يمتد لامتلاك مطعم كوشر كامل في قلب دمشق.
أما فيما يخص دور العبادة، فقد كانت دمشق القديمة تضم أكثر من اثني عشر كنيساً، لكنها ظلت مغلقة وغير مستخدمة بانتظام لسنوات طويلة. وفي الوقت الحالي، انتقلت مسؤولية الإشراف على هذه المعابد من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق إلى لجنة حكومية تابعة لوزارة الخارجية في الحكومة الجديدة.
وخلال زيارة قام بها جاجاتي مؤخراً لكنيس 'الفرانج' التاريخي، الذي يعود تاريخه للقرن الخامس عشر، واجه قيوداً من قبل مسؤولين حكوميين منعوه من الدخول بحجة استمرار أعمال الترميم. وأثار هذا الموقف استياءً لدى الزوار الذين أكدوا أنهم أصحاب هذه الأماكن وليسوا مجرد ضيوف عابرين، مطالبين بتسليم المفاتيح للجالية.
ورغم هذه العقبات، يرى الحاخام آشر لوباتين، الذي زار دمشق مؤخراً أن وجود مطبخ 'كوشر' في فندق سميراميس يعد بداية مبشرة، وإن كان يحتاج مستقبلاً لشهادة رسمية من حاخام متخصص. وأكد لوباتين أن التجربة كانت إيجابية جداً من حيث الترحيب الرسمي والشعبي الذي لاقته المجموعة السياحية.
وتشير الحكومة السورية الجديدة إلى أن أي مواطن يثبت ملكيته للممتلكات يمتلك الحق القانوني في استعادتها، في محاولة لطمأنة المغتربين من كافة الطوائف. ومع ذلك، يرى مراقبون أن التطبيق الفعلي لهذه الوعود سيحدد مدى جدية التحول الديمقراطي والحقوقي في سوريا الجديدة.
داخل مطعم الفندق، يحرص الموظفون على عدم اختلاط الأطباق والقفازات بين زبائن الكوشر والزبائن الآخرين، في محاولة لخلق بيئة تعايش مهنية. ويؤكد مساعد الطاهي مجد مارينا أنهم يعملون بجد لتلبية طلبات 'الكوشر الخاص' مع الحفاظ على جودة المذاق السوري الأصيل.
بالنسبة لجوزيف جاجاتي، فإن طموحه يتجاوز مجرد ركن في مطبخ فندق، حيث يحلم بافتتاح مطعم كوشر مستقل ومركز ثقافي في قلب دمشق القديمة. ويهدف المركز المقترح إلى إحياء الحرف اليدوية التقليدية التي اشتهر بها اليهود السوريون، مثل النقش على النحاس وصناعة المنسوجات.
تختتم المصادر تقريرها بالإشارة إلى أن هذه التحولات، رغم محدوديتها حالياً، تمثل رسالة سياسية واجتماعية قوية حول هوية سوريا القادمة. ويبقى السؤال قائماً حول قدرة المجتمع السوري على استيعاب هذه العودة وترجمة الوعود الحكومية إلى واقع ملموس يحفظ حقوق الجميع دون استثناء.





شارك برأيك
دمشق تشهد تقديم طعام 'الكوشر' لأول مرة: ملامح عودة اليهود السوريين في الحقبة الجديدة