تقترب الحكومة المصرية من إبرام صفقة اقتصادية مثيرة للجدل، تمنح بموجبها شركة 'ألكازار إنيرجي' الإماراتية السيطرة على محطة جبل الزيت لطاقة الرياح بالبحر الأحمر. وتعد هذه المحطة الأكبر من نوعها في البلاد بقدرة إنتاجية تصل إلى 580 ميغاوات، حيث بلغت قيمة العرض الإماراتي نحو 420 مليون دولار.
تأتي هذه الخطوة في ظل منافسة قوية شهدها العطاء من شركات دولية، من بينها 'أكتيس' البريطانية و'أكوا باور' السعودية. ويرى مراقبون أن اختيار العرض الإماراتي يعكس رغبة الصندوق السيادي المصري في الحصول على أعلى تقييم مالي ممكن للأصول الحكومية المطروحة للبيع.
تتوزع محطة جبل الزيت على مساحة 100 كيلومتر مربع وتضم ثلاث وحدات إنتاجية تم تشييدها بتمويلات دولية متنوعة. وقد ساهمت الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) وبنك التعمير الألماني بالإضافة إلى تمويل إسباني في بناء هذا المجمع الاستراتيجي الذي يقع جنوب شرق القاهرة.
تثير تفاصيل التعاقد المقترح مخاوف اقتصادية بشأن آلية سداد قيمة الطاقة المولدة، حيث تشير تقارير إلى أن الدولة ستشتري الكهرباء بالدولار. وبحسب مصادر اقتصادية، سيتم سداد 75% من قيمة الفاتورة بالعملة الصعبة، مما قد يشكل ضغطاً إضافياً على احتياطيات البلاد النقدية.
يرى خبراء اقتصاد أن القيمة الإجمالية للصفقة، البالغة 420 مليون دولار، قد لا تحقق عائداً صافياً كبيراً للخزانة العامة. فالدولة المصرية لا تزال مدينة بنحو 300 مليون دولار للجهات الدولية التي مولت المشروع، فضلاً عن الفوائد المتراكمة على تلك القروض طويلة الأجل.
تتزايد التحذيرات من تحول هذه الصفقات إلى حالة من الاحتكار الفعلي لقطاع الطاقة المتجددة من قبل استثمارات إماراتية محددة. وتمتلك شركة 'ألكازار' بالفعل حصصاً مؤثرة في مجمع 'بنبان' للطاقة الشمسية ومزرعة رياح خليج السويس، مما يمنحها نفوذاً واسعاً في تأمين احتياجات الطاقة المحلية.
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع توجه حكومي لزيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول عام 2030. إلا أن المعارضين يرون في بيع الأصول القائمة تفريطاً في منشآت استراتيجية تم بناؤها بأموال عامة وقروض سيادية، بدلاً من تشجيع استثمارات جديدة تضيف للقدرة الإنتاجية.
هذه الصفقة تمثل خطأ استراتيجياً ثانياً في ملف الطاقة بعد ربط الغاز بالاحتلال الإسرائيلي، والمؤشرات تنبئ بأن القادم أسوأ.
انتقد أكاديميون اقتصاديون ما وصفوه بـ'الحلقة المفرغة' في إدارة الأصول، حيث يتم الاقتراض لبناء المحطات ثم بيعها لسداد تلك الديون. ووصف خبراء هذا النهج بأنه 'ترقيع اقتصادي' لا يحل الأزمة الهيكلية بل يرحلها إلى المستقبل مع فقدان السيطرة على قطاعات حيوية.
على الصعيد السياسي، تزامنت أنباء الصفقة مع لقاءات رفيعة المستوى بين القيادتين المصرية والإماراتية في أبوظبي. وأكدت مصادر رسمية انفتاح القاهرة على المزيد من الاستثمارات الخليجية ضمن برنامج الطروحات الحكومية الذي يشمل قطاعات الكهرباء والموانئ والاتصالات.
يشير مراقبون إلى أن الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي تدفع الحكومة لتسريع عمليات التخارج من الأصول العامة. وتعد محطة جبل الزيت واحدة من عدة أصول مرشحة للبيع، بما في ذلك محطات الكهرباء العملاقة التي نفذتها شركة سيمنز الألمانية في سنوات سابقة.
في المقابل، تدافع الجهات الحكومية عن الصفقة باعتبارها وسيلة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتحديث التكنولوجيا المستخدمة في المحطات القديمة. وتؤكد المصادر أن الشريك الإماراتي سيتولى تحديث التوربينات المتقادمة لرفع الكفاءة الإنتاجية إلى حدودها القصوى خلال السنوات القادمة.
أبدى ناشطون وخبراء طاقة استياءهم من تحويل ملكية المحطة بدلاً من منح تراخيص لإنشاء محطات جديدة بالكامل. واعتبروا أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يضيف أصولاً جديدة للدولة ويخلق فرص عمل إضافية، لا أن يكتفي بنقل ملكية مشاريع قائمة وناجحة.
تظل قضية تسعير الطاقة هي العقدة الأبرز في المفاوضات الجارية، حيث يطالب المستثمرون بضمانات تحميهم من تقلبات سعر صرف الجنيه. ويحذر محللون من أن الالتزام بدفع قيمة الطاقة بالدولار لمدة 25 عاماً قد يؤدي في النهاية إلى رفع أسعار الكهرباء على المستهلك المنزلي والصناعي.
ختاماً، يمثل ملف الطاقة في مصر تحدياً استراتيجياً يجمع بين متطلبات التنمية والالتزامات المالية الدولية. ومع اقتراب حسم صفقة جبل الزيت، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات والحفاظ على أمنها القومي في قطاع الكهرباء.





شارك برأيك
مخاوف من احتكار إماراتي لقطاع الطاقة المصري مع اقتراب بيع أكبر محطة رياح في البلاد