عربي ودولي

الثّلاثاء 10 فبراير 2026 5:10 مساءً - بتوقيت القدس

مفاوضات مسقط: هل تنجح الوساطة العُمانية في نزع فتيل المواجهة بين واشنطن وطهران؟

تمر العلاقات الإيرانية الأمريكية بواحدة من أكثر فتراتها حرجاً، حيث يتشابك التصعيد العسكري الميداني مع ضغوط سياسية واقتصادية بلغت ذروتها. هذا المشهد المعقد دفع المنطقة إلى حافة انفجار قد يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، مما جعل خيار الدبلوماسية يبرز مجدداً كضرورة حتمية.

عادت لغة الحوار لتتصدر المشهد عبر وساطة عُمانية نشطة في مسقط، تهدف بشكل أساسي إلى منع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة غير محسوبة العواقب. وتعكس هذه التحركات رغبة الطرفين في استكشاف مسارات بديلة للغة التهديد التي سادت خلال الأشهر الماضية، رغم استمرار التوجس المتبادل.

شهدت الفترة الأخيرة سلسلة من الضربات العسكرية المتبادلة التي استهدفت مواقع حساسة، مما كشف عن حدود القوة العسكرية لكل طرف. فقد أدركت واشنطن أن أي هجوم واسع قد يشعل جبهات متعددة في المنطقة، ويؤدي إلى اضطرابات كارثية في أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط.

في المقابل، تجد طهران نفسها أمام مأزق اقتصادي داخلي نتيجة العقوبات المستمرة وتدهور قيمة العملة المحلية، مما يزيد من الضغوط الاجتماعية. ورغم امتلاكها لأدوات ردع إقليمية، إلا أن الدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة قد يهدد استقرار النظام السياسي بشكل جدي.

تسعى الولايات المتحدة من خلال طاولة المفاوضات إلى تحقيق سقف مطالب مرتفع يتجاوز الملف النووي ليشمل الصواريخ الباليستية. وترى الإدارة الأمريكية أن أي اتفاق مستدام يجب أن يضمن تحجيم النفوذ الإقليمي لإيران وإعادة رسم خارطة القوى بما يخدم مصالح حلفائها في المنطقة.

من جهتها، تتعامل إيران مع هذه المفاوضات كأداة للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية العليا، معلنة رفضها القاطع لتوسيع نطاق البحث ليشمل قدراتها الدفاعية. وينصب التركيز الإيراني الأساسي على ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية وضمان تدفق الصادرات النفطية دون عوائق دولية.

تصر طهران أيضاً على الحصول على ضمانات قانونية تمنع أي إدارة أمريكية مستقبلية من الانسحاب الأحادي من الاتفاق، كما حدث في تجربة عام 2018. هذا المطلب يمثل حجر عثرة في المفاوضات، نظراً لطبيعة النظام السياسي الأمريكي وصعوبة تقديم التزامات عابرة للإدارات.

يرى مراقبون أن الواقعية السياسية قد تفرض على الطرفين القبول بـ 'اتفاق مؤقت' أو ما يعرف بصفقة الحد الأدنى في الوقت الراهن. وتقوم هذه الصيغة على تجميد إيران لمستويات تخصيب اليورانيوم المرتفعة مقابل حصولها على تخفيف تدريجي ومبرمج لبعض العقوبات الاقتصادية.

إن أي انفراجة محتملة في مسار مسقط ستلقي بظلالها فوراً على الملفات الساخنة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. فالتفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران غالباً ما تترجم إلى تهدئة ميدانية في الساحات التي تشهد نفوذاً إيرانياً، مما قد يفتح الباب أمام تسويات سياسية محلية.

على الجانب الآخر، يحذر محللون من أن فشل هذه الجولة من المفاوضات قد يفتح الباب أمام مرحلة تصعيد غير مسبوقة. وفي حال غياب الحل الدبلوماسي، قد تلجأ الأطراف إلى خيارات خشنة تشمل ضربات عسكرية أوسع نطاقاً وزيادة في منسوب التوتر الطائفي والسياسي.

تدرك واشنطن أن سياسة 'الضغوط القصوى' لم تنجح في تغيير السلوك الإيراني بشكل كامل، بل دفعت طهران نحو مزيد من التشدد النووي. هذا الإدراك يدفع بعض الأجنحة في الإدارة الأمريكية إلى تفضيل المسار الدبلوماسي كأقل الخيارات سوءاً وتكلفة في الوقت الحالي.

بالنسبة لإيران، فإن البرنامج النووي يمثل ورقة ضغط قوية لا يمكن التنازل عنها دون مقابل اقتصادي وسياسي مجزٍ. وتستخدم طهران وتيرة التخصيب كأداة لتحسين شروطها التفاوضية، مع التأكيد المستمر على أن برنامجها يحمل أهدافاً سلمية رغم الشكوك الدولية الواسعة.

يمثل الصراع الحالي معركة على شكل النظام الإقليمي القادم في الشرق الأوسط، وليس مجرد خلاف تقني حول أجهزة الطرد المركزي. فالمفاوضات هي اختبار حقيقي لقدرة الطرفين على تقديم تنازلات مؤلمة مقابل الحصول على استقرار نسبي يخدم مصالحهما الداخلية والخارجية.

في الختام، تبقى المنطقة معلقة بين آمال النجاح الدبلوماسي ومخاوف الفشل العسكري، حيث تنتظر العواصم الإقليمية نتائج ما ستسفر عنه لقاءات مسقط. فإما أن تنتصر البراغماتية السياسية وتؤدي إلى تهدئة طويلة الأمد، أو ينزلق الجميع نحو مواجهة قد تعيد المنطقة سنوات إلى الوراء.

دلالات

شارك برأيك

مفاوضات مسقط: هل تنجح الوساطة العُمانية في نزع فتيل المواجهة بين واشنطن وطهران؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.