أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 فبراير 2026 4:08 مساءً - بتوقيت القدس

المسؤولية الفلسطينية في مواجهة الانهيار: ضرورة مراجعة الاستراتيجيات العربية بعد عامين من الإبادة

شهدت الاستراتيجية العربية والفلسطينية خلال العامين الماضيين من حرب الإبادة على قطاع غزة حالة من الواقعية السياسية التي جاءت بنتائج عكسية تماماً لمصالح الشعب الفلسطيني. ففي الوقت الذي يسعى فيه الاحتلال لسحق الوجود الفلسطيني، استمرت الأطراف الرسمية في انتهاج مسارات أثبتت فشلها في كبح جماح العدوان أو حماية الحقوق الوطنية المشروعة.

إن التدقيق في تصريحات وزراء حكومة نتنياهو والسياسات المطبقة على الأرض في الضفة الغربية والقدس المحتلة، يكشف بوضوح زيف الرهان على 'الواقعية' التي تم الترويج لها لثلاثة عقود. هذا النهج أدى في نهاية المطاف إلى التخلي عن البدائل النضالية والارتهان لواقع يفرضه الاحتلال بقوة السلاح والدعم الغربي غير المحدود.

تبرز اليوم ضرورة ملحة لاستعادة استراتيجية عربية فاعلة ومؤثرة، قادرة على استيعاب التغييرات الجذرية التي عصفت بالمنطقة منذ بدء حرب الإبادة. فالمشروع الصهيوني لم يعد يكتفي باحتلال الأرض، بل يتغول لفرض سيطرته الكاملة عبر التهويد وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية بشكل نهائي.

تتزامن هذه التحولات مع تحشيد أمريكي إسرائيلي متصاعد يستهدف قوى إقليمية مثل إيران، مع استمرار التهديدات المباشرة للبنان وسوريا. هذا المناخ الجيوسياسي يهدف إلى تهيئة ظروف دولية تفرض التسليم المطلق بالأمر الواقع الإسرائيلي كقوة مهيمنة وحيدة في الشرق الأوسط.

لقد كشفت الأحداث الأخيرة عن عمق الالتصاق الأمريكي بالسياسة الإسرائيلية، وهو ارتباط يتجاوز المصالح السياسية إلى اعتبارات أيديولوجية واستعمارية عميقة. ورغم هذا الوضوح، ظلت السياسة العربية والفلسطينية الرسمية في حالة تراجع، عاجزة حتى عن التمسك بالحد الأدنى من مبادرة السلام العربية.

إن حالة الانسحاق السياسي التي تعيشها بعض العواصم العربية أدت إلى تقزيم الأدوار المفترض بها الدفاع عن قضية وجودية. وكانت النتيجة المباشرة لهذا الضعف هي توسع التهديد الإسرائيلي ليشمل الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، من دول الطوق وصولاً إلى عمق الخليج والقارة الأفريقية.

استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا سيما في حقبة ترامب، قاموساً صهيونياً خالصاً في مخاطبة العالم، مما دفع بعض السياسيين العرب إلى اليأس من عدالة القضية. هذا اليأس قاد البعض نحو تحالفات أمنية مع الاحتلال، متجاوزين حقوق الضحايا ومحملين إياهم مسؤولية مقاومة الإجرام الصهيوني.

يفتقد الجانب الفلسطيني والعربي اليوم إلى 'عنصر القوة' الذي طالما نادت به النخب الفكرية والسياسية على مدار عقود. فالتمسك بالحد الأدنى من استراتيجية وطنية يتطلب تفعيل أدوات الصراع الدبلوماسي والقانوني بشكل حقيقي، لا مجرد شعارات تستهلك في المحافل الدولية دون أثر ملموس.

إن المنهج الحالي في التعامل مع التوسع الإسرائيلي يحتاج إلى ثورة شاملة في الأدوات، تبدأ من تفعيل المقاطعة الشاملة ومحاسبة قادة الاحتلال على جرائم الحرب. فبدون وجود رادع حقيقي، ستظل الشعارات السياسية مجرد حبر على ورق، تذروه الرياح مع كل قنبلة تسقط على رؤوس المدنيين في غزة.

تتجلى خطورة المرحلة في اضمحلال تأثير السياسة العربية المناصرة لفلسطين، مما يعمق شعور الضحايا بالخذلان من عمقهم الاستراتيجي. هذا التفتت في المواقف والأهداف يمنح الاحتلال فرصة ذهبية لتكريس نظام الفصل العنصري 'الأبارتايد' ومنع قيام أي كيان فلسطيني متصل جغرافياً.

أمام هذه التحديات الوجودية، تبرز المسؤولية الفلسطينية كحجر زاوية لإعادة إحياء الأمل في الشارع العربي. إن توحيد الجهود لتفكيك البنية الاستعمارية للنظام الصهيوني هو الخطوة الأولى والأساسية نحو دحر الاحتلال، وهي مهمة تتطلب تقديراً عالياً للقوة الذاتية للجماهير.

يجب استثمار السقوط الأخلاقي والسياسي للسردية الإسرائيلية في المحافل الدولية، وهو إنجاز تحقق بفضل صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته. هذا التحول العالمي يتيح فرصة تاريخية لتقديم نموذج كفاحي وسياسي جديد يعتمد على الحقوق التاريخية لا على التنازلات المجانية.

إن بناء سياسي عربي مؤثر لا يمكن أن يتحقق دون تقويم حقيقي للمسار الفلسطيني الداخلي، ووضع حد لحالة التشرذم والارتهان للإملاءات الخارجية. فالمسؤولية الفلسطينية أولاً وأخيراً هي المحرك الذي يمكنه وقف الانهيارات المتلاحقة في المنظومة السياسية العربية تجاه القضية.

في الختام، يبقى الرهان على وعي الشارع الفلسطيني وقدرته على فرض أجندة وطنية تتجاوز عثرات الماضي. إن مواجهة العقل الصهيوني الفاشي تتطلب إرادة صلبة تؤمن بأن الحقوق لا تُستجدى على طاولات المفاوضات العبثية، بل تُنتزع بصمود الشعب ووحدته في ميدان المواجهة الشاملة.

دلالات

شارك برأيك

المسؤولية الفلسطينية في مواجهة الانهيار: ضرورة مراجعة الاستراتيجيات العربية بعد عامين من الإبادة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.