يطرح مفهوم كبر السن تساؤلات عميقة تتجاوز مجرد عد السنين؛ فالحقيقة أن النفس لا تشيخ بل تتكيف وتروض نفسها مع العجز. هنالك نفوس تبقى شابة بتفاعلها مع الحياة وارتباطها بمهمة محددة، حيث يصبح العجز الحقيقي هو العجز عن أداء تلك المهمة. لذا، فإن كبر السن يمثل حالة من الهرم وانتهاء الدور الوظيفي في المجتمع، وهو وصف لحالات متعددة وليس مواصفات ثابتة، إذ لا يعني التقدم في العمر دائماً زيادة في الخبرة أو الصلاح، بل قد يشهد جنوحاً نحو السوء أو استحضاراً لماضٍ صعب.
وفيما يتعلق بالجانب الروحي، يتصور البعض أن العلاقة بالله تبدأ أو تزداد حصراً مع العجز، مختزلين العبادة في الصلاة والصوم. إلا أن المفهوم الأوسع للعبادة يشمل العمل ونفع المجتمع، حيث يظل الفهم هو أساس التعامل مع الخالق وليس مجرد المظهر التعبدي لمن لا عمل له. هذا الفهم يصحح النظرة القاصرة التي تربط التدين بالقعود عن العمل أو غياب الفاعلية الاجتماعية.
وعلى صعيد التخطيط الزمني، نجد أن إعداد الأبناء للاستقلال يحتاج نحو 23 سنة، وهي فترة زمنية تقارب معدل فترة نهاية العمر. ومع ذلك، يخطط المجتمع للأولى ويترك الثانية بلا برمجة، مما يجعلها عمراً ضائعاً بلا قيمة. هذا الغياب في التخطيط يؤدي إلى صدام بين الأجيال؛ حيث يضيق الأبناء ذرعاً بتدخل الآباء غير المبرمج، بينما يحاول الكبار ممارسة حرصهم بطرق قد تبدو تطفلية نتيجة إبعادهم المتعمد عن تفاصيل الحياة الأسرية.
إن كبر السن هو عدد السنين ودرجة الهرم وانتهاء المهمة، لكن دور الإنسان لا ينتهي بعدد السنين بل بقدرته على الإنجاز والتكيف للاستمرار.
أما الصورة النمطية للمرأة والرجل في سن متقدمة، فهي تخضع لأعراف اجتماعية قاسية تمحو الصفات الإنسانية والأنثوية تحت مسميات مثل 'سن اليأس' أو 'التصابي'. الحقيقة أن الأنوثة والرجولة لا تنتهيان بانتهاء وظائف فسيولوجية معينة، بل إن المجتمع هو من يفرض العزلة. إن محاولات كبار السن استعادة ذواتهم أو العيش بإرادتهم غالباً ما تُفهم بشكل خاطئ، مما يدفعهم للعيش في صراع مع الزمن لإثبات وجودهم خارج القوالب الجاهزة.
ويواجه كبار السن 'خوف القرار'؛ فالخوف من تأثير قراراتهم على الأسرة أو المال أو التاريخ الشخصي يجعلهم مترددين. وغالباً ما يواجهون بعبارات تثبيطية مثل 'يكفي ما تعبت' أو 'اذهب للتعبد'، وكأن العمل للدنيا ينتهي قبل الموت. إن العمل جزء أصيل من مهام الإنسان حتى رمقه الأخير، لأنه يمنحه الشعور بالحياة والمسؤولية تجاه الذات والشريك.
ختاماً، ينبغي للمجتمع والدولة التخطيط للاستفادة من هذه الأعمار، ليس عبر وضعهم في نوادٍ لتضييع الوقت، بل بإشراكهم في نشاطات تخصصية وورش عمل لحل القضايا العامة. إن تحييد خبرة الكبار يمثل خسارة كبرى للمجتمع، كما أن استجابة الكبار لمعايير المجتمع النمطية تحرمهم من حقهم في السعادة والفاعلية المستمرة.





شارك برأيك
عمر خارج البرمجة: نحو رؤية جديدة لفاعلية كبار السن في المجتمع