عربي ودولي

الجمعة 06 فبراير 2026 2:36 مساءً - بتوقيت القدس

محادثات مسقط: محطة شديدة الحساسية في مسار العلاقة المتوترة بين أميركا وإيران

تحليل إخباري

تتجه الأنظار نحو مسقط في سلطنة عُمان، حيث تُعقد محادثات تُعد من أكثر المحطات حساسية في مسار العلاقة المتوترة بين إيران والغرب. وتكتسب مسقط أهميتها من كونها قناة تواصل موثوقة في أزمات المنطقة، ومكاناً لطالما استُخدم لتبادل الرسائل وتدوير الزوايا عندما تنغلق القنوات المباشرة. وتأتي هذه الجولة في توقيت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والاقتصادية على طهران، مقابل مؤشرات على رغبة متبادلة في تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

ورغم أن الملف النووي يتصدر العناوين، فإن الإطار الأوسع للمحادثات يتصل بموقع إيران في النظام الإقليمي وبالحدود التي تسعى واشنطن وحلفاؤها إلى فرضها على نفوذ طهران. وفي المقابل، تحاول إيران تثبيت معادلة تقول إنها ليست طرفاً يمكن حصاره إلى ما لا نهاية، وأن أي تسوية لا بد أن تتضمن اعترافاً بدورها وبمصالحها الأمنية. لذلك، فإن مسقط ليست مجرد محطة تقنية تتعلق بنسبة التخصيب أو آليات التفتيش، بل اختبار سياسي يتجاوز النووي إلى سؤال أكبر: ما هو سقف الدور الإيراني في الشرق الأوسط؟

ضمن هذا السياق، تطرح إيران نفسها في خطابها السياسي بوصفها في مواجهة ما تسميه "التوحش"، في إشارة إلى سياسات الإخضاع والعقاب الجماعي التي تقول إنها تُمارَس عبر العقوبات والتهديدات. وهذا الخطاب ليس تفصيلاً دعائياً فحسب، بل يعكس محاولة لتأطير الصراع باعتباره صراعاً على قواعد التعامل الدولي: هل تُدار الأزمات عبر القانون والمؤسسات، أم عبر ميزان القوة والابتزاز السياسي؟

ويبقى السؤال المركزي: هل النووي هو الأساس؟ عملياً، يمثل البرنامج النووي نقطة التماس الأوضح، لكنه لا يختزل جوهر الأزمة. فجزء كبير من التوتر مرتبط بقدرة إيران على بناء أدوات ردع وتوسيع نفوذها الإقليمي، ما يجعل الاتفاق النووي بالنسبة لخصومها خطوة غير كافية ما لم تُرافقها قيود سياسية وأمنية أوسع. وهنا تتحول المحادثات إلى اختبار مزدوج: اختبار تقني حول الالتزامات النووية، واختبار سياسي حول طبيعة "الصفقة الممكنة" في المنطقة.

في هذا الإطار، يبدو أن الطرفين يمتلكان أدوات ضغط متبادلة، لكنهما أيضاً يملكان أسباباً قوية لتجنب الانفجار. واشنطن تحتاج إلى تهدئة تمنع ارتفاع الكلفة الإقليمية والاقتصادية وتقلل من مخاطر اضطراب أسواق الطاقة أو توسع التوتر في الخليج. وطهران تحتاج إلى نافذة تخفف آثار العقوبات وتمنحها شرعية تفاوضية، أو على الأقل تمنع تدهوراً سريعاً قد يهدد استقرارها الداخلي. غير أن المشكلة الأساسية تبقى في انعدام الثقة: كل تنازل يُقرأ كضعف، وكل مرونة تُفسَّر كخديعة محتملة.

وترتبط بهذه النقطة مسألة ازدواجية المعايير، التي تُعد من أكثر الملفات حضوراً في الخطاب الإيراني والإقليمي. فانتقاد إيران بسبب برنامج نووي تحت الرقابة، مقابل الصمت عن ترسانات نووية غير خاضعة لأي رقابة، يخلق فجوة في مصداقية النظام الدولي. كما أن التعامل الانتقائي مع القانون الدولي يضعف قدرة المؤسسات الدولية على لعب دور توازني، ويمنح الأطراف المتصارعة مبررات إضافية للتصعيد.

في المقابل، يبرز محور آخر لا يقل تأثيراً، وهو عجز المجتمع الدولي أو محدودية قدرته على فرض قواعد متوازنة، أو تحركه ضمن حدود رسمتها القوى الكبرى. وهذا الواقع يفسر لماذا تكتسب مسقط قيمة إضافية: فهي ليست بديلاً عن المؤسسات، لكنها محاولة لتقليل أثر الانسداد الدولي عبر مسار تفاوضي أكثر مرونة وأقل صخباً.

أما أهداف ترمب الفعلية، فتُقرأ ضمن إطار أوسع من مجرد العودة إلى سياسة الضغط. فالتوجه الأميركي في حقبته لم يكن منصباً على تعديل بنود اتفاق نووي فحسب، بل على إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وتقديم ضمانات للحلفاء، وإظهار قدرة واشنطن على فرض شروطها. ومن هذا المنظور، فإن أي محادثات في مسقط ستكون انعكاساً لمعادلة أميركية ترى أن الضغط يجب أن يسبق التسوية، لا أن يكون بديلاً عنها.

على الجانب الإيراني، تُعد أوراق القوة عاملاً حاسماً في تحديد مسار التفاوض. فإيران تملك قدرات عسكرية ونفوذاً إقليمياً وشبكات علاقات تتيح لها التأثير في أكثر من ساحة. كما طورت أدوات للتكيف مع العقوبات عبر إعادة توجيه التجارة والتحالفات الاقتصادية. وهذه الأوراق تمنحها هامشاً تفاوضياً، لكنها في الوقت نفسه تُستخدم من خصومها كحجة لاستمرار الضغط، بحجة أن طهران تستثمر مواردها في توسيع نفوذها بدل تحسين شروط الداخل.

وإذا لم تنتج مسقط اختراقاً، فإن الاحتمال الأرجح هو العودة إلى دائرة التصعيد البطيء: عقوبات إضافية، عمليات أمنية متبادلة، وحرب أعصاب طويلة. خطورة هذا المسار أنه لا يحتاج إلى قرار حرب واضح، بل يكفي تراكم خطوات صغيرة لتوليد صدام كبير. وفي بيئة إقليمية مشحونة، قد تتحول أي حادثة بحرية أو أمنية إلى نقطة انفجار. لذلك، تبدو مسقط محاولة لتجميد المسار قبل بلوغ لحظة اللاعودة.

في النهاية، فإن سؤال "ماذا يعني سقوط إيران؟" لم يعد مجرد طرح سياسي أو جدل نظري، بل أصبح سيناريو تُناقش تبعاته بجدية داخل دوائر صنع القرار. فإيران ليست دولة هامشية في الإقليم؛ وأي اضطراب كبير فيها يمكن أن يترك آثاراً مباشرة على أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة وسلامة الممرات البحرية، إضافة إلى توازنات دول مثل العراق وسوريا ولبنان. كما أن انهياراً من هذا النوع قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية ممتدة، ويؤسس لنموذج خطير يقوم على إسقاط الدول عبر أدوات الضغط والتفكيك بدل التسويات السياسية.

وبناءً على ذلك، تُفهم محادثات مسقط باعتبارها محاولة لتثبيت حد أدنى من التفاهم، أو على الأقل منع الانزلاق نحو تدهور سريع لا يمكن التحكم بنتائجه. ورغم أن هذه المحادثات لا تتضمن ضمانات للنجاح، فإنها تبقى واحدة من الفرص القليلة المتاحة لإعادة إدخال السياسة إلى ملف ظل لفترة طويلة محكوماً بمنطق التصعيد والمواجهة.


دلالات

شارك برأيك

محادثات مسقط: محطة شديدة الحساسية في مسار العلاقة المتوترة بين أميركا وإيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.