شهد قطاع النسيج في تركيا خلال الفترة الأخيرة تحولاً حاداً ينذر بفصل جديد في تاريخ الصناعة الوطنية، بعد أن كان لسنوات طويلة أحد أهم روافد الصادرات التركية ومشغلاً لآلاف العمال. فقد أدت الضغوط الاقتصادية المتزايدة، من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الطلب الخارجي، وتقلبات سعر الصرف إلى إغلاق عدد كبير من المصانع داخل تركيا، بينما لجأت شركات عدة إلى نقل خطوط إنتاجها إلى الخارج، وعلى رأسها مصر التي أصبحت وجهة جذب صناعية أساسية في المنطقة.
تقف وراء هذا التحول معطيات اقتصادية هيكلية تتداخل فيها عوامل محلية ودولية، ما يدفع الباحثين إلى قراءة أعمق في أسباب خروج الإنتاج من تركيا، وتداعياته على الاقتصاد المحلي، ومستقبل هذه الصناعة ما بين الحفاظ على القيمة المضافة محلياً، أو توسيع الإنتاج عبر مراكز خارجية أكثر تنافسية.
واجهت المصانع التركية تحديات كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية، تمثلت في ارتفاع ملحوظ في تكاليف التشغيل مقارنة بدول منافسة. فقد ارتفعت رواتب العمال تدريجياً، بينما لم تتزامن هذه الزيادة مع تحسينات مماثلة في الإنتاجية المحلية. وبحسب التقرير السنوي لغرفة أصحاب الصناعة التركية (توسياد)، فإن تكلفة اليد العاملة في تركيا تبقى أعلى بكثير من نظيراتها في دول مثل مصر، ما أدى إلى ضغوط كبيرة على الهامش الربحي للمصنعين.
تعاظمت هذه الضغوط بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، في وقت تشهد تركيا تقلبات متلاحقة في سعر الليرة مقابل العملات الأجنبية، مما زاد الأعباء التصديرية على المنتج المحلي. كما أن أحد أكبر المشكلات التي تواجه القطاع هو أن تكاليف الإنتاج في تركيا أصبحت نحو أربع إلى خمس مرات أعلى مما هي عليه في مصر، وفق بيانات وزارة الاقتصاد التركية الصادرة في مارس 2025.
كانت تركيا في العقود الماضية من رواد سوق النسيج في الأسواق الأوروبية والأمريكية، لكن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مجلس المصدرين الأتراك (TIM) تظهر أن صادرات النسيج والملابس الجاهزة تراجعت من قرابة 10.5 مليار دولار في عام 2021 إلى حوالي 9.49 مليار دولار في 2024 مع توقعات باستمرار التراجع خلال 2025. في الوقت نفسه، زادت الضغوط التنافسية من قبل دول آسيوية مثل الصين وبنغلاديش وفيتنام.
وسط هذا الواقع المتأزم، برزت مصر كوجهة جاذبة لصناعة النسيج التركية بسبب ميزة التكلفة المنخفضة، التسهيلات الاستثمارية، ووجود اتفاقيات تجارة دولية تسهل الوصول إلى الأسواق العالمية. وبحلول نهاية عام 2025، تشير إحصاءات المجلس المصري-التركي للأعمال والاستثمار إلى أن أكثر من 200 مصنع تركي تعمل في مصر ضمن قطاع النسيج، مع تركز الاستثمارات في مناطق مثل قناة السويس الصناعية.
تكلفة الإنتاج في تركيا أصبحت نحو أربع إلى خمس مرات أعلى مما هي عليه في مصر، والحد الأدنى للأجور يبلغ 800 دولار مقابل 180 دولاراً فقط في القاهرة.
هذا التحول شمل شركات تركية كبرى، مثل مجموعة يَشيم، تاي غروب، إروغلو للملابس، تشاليك القابضة، إل سي وايكيكي، وديكتاش، والتي أعلنت جميعها عن توسيع خطوط إنتاجها في مصر خلال الفترة بين 2024 و2026. ويعد إغلاق شركة كولينز لمصنعها في ولاية أكسراي التركية ونقله لمصر مثالاً بارزاً، حيث تسبب في فقدان 1500 عامل لوظائفهم، بينما استثمرت كي سي جي تيكستايل 24 مليون دولار إضافية في مصر عام 2025.
لم يقتصر التحول على الإنتاج، بل طال الميزان التجاري؛ ففي عام 2025 سجل حجم التجارة النسيجية عجزاً بقيمة 200 مليون دولار لصالح مصر. وأكدت مصادر رسمية أن الفارق الكبير في الأجور، حيث يبلغ الحد الأدنى في تركيا 800 دولار مقابل 180 دولاراً في مصر، دفع نحو هذا النزوح الصناعي، فيما تستهدف القاهرة جذب 15 مليار دولار من الاستثمارات التركية بحلول نهاية 2026.
توفر مصر بنية لوجستية مؤهلة في مدن مثل العاشر من رمضان والسادات وقناة السويس، بالإضافة إلى امتيازات اتفاقيات التجارة الحرة (QIZ) مع أمريكا وأوروبا. وفي المقابل، ترك هذا التحول آثاراً اجتماعية في تركيا، حيث ارتفعت معدلات البطالة في مراكز صناعية تقليدية مثل بورصة وغازي عنتاب ودنيزلي نتيجة موجات تسريح العمال المستمرة.
تدور النقاشات حالياً بين الخبراء حول مستقبل القطاع في تركيا، حيث يرى البعض ضرورة إعادة هيكلة الإنتاج ودعم التحول التكنولوجي، بينما يميل آخرون إلى فكرة تخصص تركيا في الصناعات عالية القيمة المضافة مثل التصميم والعلامات التجارية، وترك التصنيع كثيف العمالة للمراكز الأكثر تنافسية مثل مصر.
يمثل انتقال مصانع النسيج التركية إلى مصر انعكاساً لتحولات أعمق في الاقتصاد العالمي. ومع استمرار هذا التوجه خلال 2025 و2026، يبقى التحدي الأكبر أمام أنقرة هو تأسيس استراتيجية صناعية طويلة الأجل تمكن القطاع من الصمود في مواجهة التحولات الديناميكية في الصناعة العالمية.





شارك برأيك
مصر تتحول إلى مركز بديل لصناعة النسيج التركية: هجرة جماعية للمصانع والشركات الكبرى