بقلم : مراد فريد حميدان.
لم يعد الحديث عن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران مجرد مادة تحليلية في مراكز الأبحاث أو تسريبات صحفية عابرة، بل بات جزءًا ثابتًا من المشهد الإقليمي المتوتر مطلع عام 2026. تحركات عسكرية أميركية في المنطقة، تعزيزات بحرية وجوية، وتصريحات رسمية تتحدث عن "خيارات قوية"، يقابلها خطاب إيراني يرفع سقف الرد إلى حد اعتبار أي هجوم بمثابة حرب شاملة. ومع ذلك، فإن الفارق ما يزال واضحًا بين تصعيد الردع وبين اتخاذ قرار الحرب.
الواقع أن المنطقة تعيش لحظة "توازن حاد"، حيث تتقاطع الاستعدادات العسكرية مع حسابات سياسية دقيقة. فقرار الضربة، إن اتُّخذ، لا يتعلق فقط بإمكانية التنفيذ العسكري، بل بطبيعة الهدف: هل هو منشآت نووية؟ مواقع عسكرية؟ قيادات محددة؟ كما يرتبط بحدود العملية: هل ستكون ضربة محدودة قابلة للاحتواء، أم بداية مواجهة مفتوحة قد تمتد إلى أكثر من ساحة؟
من الضروري هنا التمييز بين ثلاثة سيناريوهات يجري خلطها في النقاش العام. الأول: ضربة أميركية مباشرة وواسعة. الثاني: ضربة إسرائيلية منفردة أو شبه منفردة. الثالث: عمليات تقع تحت عتبة الحرب، كالهجمات السيبرانية أو الضربات المحدودة أو العمليات السرية. هذا التفريق جوهري، لأن احتمالية كل سيناريو تختلف جذريًا عن الآخر. فالحرب الشاملة ليست الخيار الوحيد، بل ربما تكون الأقل ترجيحًا في المدى القريب، بينما تبقى العمليات المحدودة أكثر قابلية للتنفيذ لأنها أقل كلفة وأعلى قابلية للإنكار.
العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة هو البرنامج النووي الإيراني. استمرار التخصيب عند مستويات مرتفعة يُبقي القلق الإسرائيلي والأميركي حاضرًا، ويُغذي خطاب “النافذة الزمنية الضيقة” أمام منع إيران من الوصول إلى عتبة القدرة النووية الكامنة. غير أن القلق لا يساوي بالضرورة قرارًا عسكريًا. فالضربة، إذا استهدفت المنشآت النووية، قد لا تنهي البرنامج بالكامل، لكنها قد تُشعل مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواؤها.
الولايات المتحدة تبدو حتى الآن أكثر ميلاً لاستخدام القوة كأداة ردع وضغط سياسي، لا كخيار أول للحسم العسكري. فواشنطن تدرك أن الحرب مع إيران ليست عملية خاطفة، بل احتمال تصعيد متعدد الجبهات، قد يشمل الخليج، الممرات البحرية، وربما ساحات إقليمية أخرى. كما أن أي مواجهة واسعة ستنعكس مباشرة على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.
أما إسرائيل، فرغم رفعها المستمر لسقف التحذير، فهي تدرك أن قرار الضربة لا يتعلق فقط بالقدرة العسكرية، بل بقدرة تحمّل الردود اللاحقة. إدارة حرب متعددة الساحات دون مظلة سياسية وعسكرية دولية كافية مغامرة عالية المخاطر. لذلك، يبقى سيناريو الضربة المحدودة أو العمليات غير المعلنة أقرب إلى الواقعية من حرب مفتوحة بلا ضوابط.
في المقابل، ترفع طهران منسوب التهديد لتحصين الردع، مؤكدة أن أي استهداف سيُقابل برد قاسٍ. هذا الخطاب ليس مجرد تصعيد إعلامي، بل رسالة استراتيجية هدفها منع خصومها من التفكير في “ضربة نظيفة” بلا ثمن. وهنا تكمن المفارقة: كل طرف يلوّح بالقوة ليتجنب استخدامها.
خلاصة المشهد أن المنطقة ليست على أعتاب حرب معلنة، لكنها أيضًا ليست في حالة استقرار. نحن أمام مرحلة ردع متصاعد، تتراكم فيها عناصر الضغط دون أن تتحول بعد إلى قرار مواجهة شاملة. السيناريو الأرجح في المدى القريب هو استمرار التهديد المتبادل، وربما تصاعد العمليات المحدودة أو غير المباشرة، مع بقاء خيار الضربة الواسعة قائمًا كاحتمال مرتبط بتغير المعطيات السياسية أو النووية.
الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة توتر محسوب. الخطأ في الحسابات، أو حادث غير متوقع، قد يدفع الأمور إلى مسار مختلف. لكن حتى اللحظة، يبدو أن جميع الأطراف تفضّل إبقاء الحرب كخيار ردع، لا كقرار تنفيذ.





شارك برأيك
إلى أي مدى تقترب ضربة عسكرية ضد إيران؟