تحليل إخباري
في وقت يحتفي فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإطلاق ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، تتكشف على الأرض في قطاع غزة ملامح مسار انتقالي معقّد، تحكمه القيود الإسرائيلية وتكتنفه تساؤلات سياسية وأمنية عميقة. فرغم استمرار إسرائيل في منع دخول أعضاء "لجنة إدارة غزة" إلى القطاع، تشير المعطيات إلى أن خطوات أولية لنقل الإدارة المدنية من حركة "حماس" إلى اللجنة قد بدأت بالفعل.
وأفادت شبكة "سكاي نيوز عربية" بأن لقاءات جرت بين سامي نسمان، العضو في لجنة إدارة غزة والمكلف بالإشراف على وزارة الداخلية، ونظيره في حركة حماس جمال الجراح. وتركزت المحادثات على آليات نقل الصلاحيات التشغيلية المرتبطة بالشرطة والأمن الداخلي. غير أن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية نسبت لمسؤول فلسطيني رفيع المستوى قوله إن ما يجري لا يرقى إلى "تسليم مهني كامل"، بل يقتصر في هذه المرحلة على تنسيق إداري يشمل تبادل أسماء الموظفين وفهم الإجراءات المعمول بها خلال فترة حكم حماس.
وبحسب تقارير إخبارية متعددة، فإن نسمان غني عن التعريف في غزة. فقد وُلد في مخيم الشاطئ للاجئين، وعاش سنوات طويلة في حي الشيخ رضوان، ما أتاح له معرفة دقيقة بالبنية العائلية والقبلية وموازين القوى الاجتماعية في القطاع. في شبابه، انخرط في حركة "الشبيبة" التابعة لـ"فتح"، وشارك في الانتفاضة الأولى، وكان مطلوبًا لجهاز "الشاباك" الإسرائيلي للاشتباه بمشاركته في تصفية متعاونين.
بعد فراره من غزة، عاد نسمان عام 1994 في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو، ليتبوأ مواقع متقدمة في جهاز الاستخبارات الفلسطينية، حيث عمل تحت قيادة اللواء الراحل أمين الهندي، وساهم في جهود منع ترسيخ نفوذ حماس في القطاع. إلا أن سيطرة حماس على غزة عام 2007 دفعته مجددًا إلى مغادرة القطاع والاستقرار في رام الله، بينما واصلت الحركة ملاحقته، متهمة إياه لاحقًا بإدارة شبكات استخبارية ضدها، وصدر بحقه حكم غيابي بالسجن 15 عامًا عام 2016.
في السنوات الأخيرة، جرى تهميش نسمان داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية، خصوصًا بعد انضمامه إلى مجموعة الضباط المتقاعدين المحسوبين على محمد دحلان، الذي تربطه علاقات مع عدد من أعضاء لجنة إدارة غزة، من بينهم رئيسها علي شعث. ورغم هذا الإرث الخلافي، لم تعترض حماس رسميًا على تعيين نسمان، إذ لا تملك حق الفيتو على اختيار أعضاء اللجنة.
ويستحضر مراقبون هنا تجربة عام 2017، حين جرت محادثات برعاية مصرية، وبمشاركة الإمارات، حول تشكيل لجنة لإدارة غزة برئاسة دحلان، مع تقارير تحدثت آنذاك عن تخصيص أبوظبي 15 مليون دولار لتمويل عملها. ورغم فشل تلك المبادرة، فإن انضمام الإمارات إلى "مجلس السلام" يعزز التقديرات بأن دحلان وحلفاءه يستعدون للمرحلة التالية، مع اقتراب بدء عمل اللجنة ميدانيًا بحسب الخبراء.
في سياق موازٍ، نشرت "سكاي عربية" تقريرًا غير مؤكد يفيد بتوصل حماس والولايات المتحدة إلى تفاهم مبدئي يقضي بتخلي الحركة عن سلاحها وتسليم خرائط الأنفاق غير المكتشفة، مقابل السماح لها بالتحول إلى حزب سياسي شرعي، وضمان خروج عناصرها من غزة دون تهديد. وبحسب التقرير، فإن إسرائيل أبدت اعتراضًا حادًا على بعض بنود هذا المقترح.
ورغم غياب التأكيد الرسمي، فإن تصريحات سابقة لبشارة بحبح (الذي يعمل لدى فريق المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف الذي لعب دور حلقة وصل بين حماس والبيت الأبيض)، تحدثت عن نزع سلاح الحركة "على مراحل" في إطار ترتيبات أوسع مرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار. كما أن البحث في إعادة فتح معبر رفح وبدء عمليات إزالة الركام وإعادة الإعمار، قبل نزع السلاح الكامل، قد يعكس قدرًا من المرونة الأميركية، رغم خطاب ترامب المتشدد علنًا.
التحدي الأبرز أمام لجنة إدارة غزة بحسب مصادر أميركية، يتمثل في البنية الوظيفية الضخمة التي خلفتها حماس. فقد عمل نحو 11 ألف شرطي وموظف في وزارة الداخلية وحدها، فيما تشير تقديرات إلى أن أكثر من 50 ألف موظف مدني—بينهم معلمون وأطباء ومهندسون—كانوا يتقاضون رواتب من حكومة حماس. وبحسب مصادر فلسطينية، اتُفق على استمرار عمل موظفي قطاعات التعليم والصحة والدفاع المدني بعد إخضاعهم لفحوص أمنية، مقابل إحالة العاملين في الأجهزة الأمنية إلى التقاعد التدريجي.
ويقر مسؤولون فلسطينيون بأن اللجنة لن تتمكن، في المدى المنظور، من الاستغناء عن كوادر عملت سابقًا مع حماس، نظرًا لحاجة الإدارة الجديدة إلى استمرارية الخدمات. غير أن السيطرة على هذه المؤسسات، التي ستمر عبرها أموال إعادة الإعمار، قد تتحول إلى ساحة الصراع السياسي المقبلة، في ظل غياب آليات رقابة إسرائيلية مباشرة على الشق المدني من "مجلس السلام".
ويقدر الخبراء أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن إعادة هندسة المشهد الفلسطيني برمّته، حيث يجري استبدال الصراع العسكري المفتوح بصراع نفوذ إداري ومالي. نقل الإدارة المدنية لا يعني نهاية حماس، بل انتقالها إلى فضاء أقل صدامية وأكثر مرونة، يسمح لها بإعادة إنتاج نفوذها من داخل المؤسسات. في هذا السياق، يصبح السؤال ليس إن كانت حماس ستختفي، بل كيف ستعود، وبأي أدوات، وتحت أي غطاء سياسي.
ويعتقد هؤلاء أن إشارات الامتنان العلنية التي وجهتها الفصائل الفلسطينية لإدارة ترمب تمثل تحوّلًا لغويًا وسياسيًا لافتًا، يعكس إدراكًا بأن موازين القوى الدولية لا تُدار بالشعارات بل بالتموضع البراغماتي. غير أن هذا التحول يحمل مخاطره، إذ قد يُفهم باعتباره قبولًا ضمنيًا بإطار سياسي لا يعالج جذور القضية الفلسطينية. الرهان على الشرعية الدولية وحدها، دون وحدة وطنية حقيقية، قد يعيد إنتاج الأزمة .





شارك برأيك
بدء نقل الإدارة المدنية في غزة وسط غموض حول مستقبل "حماس" السياسي