عربي ودولي

الجمعة 23 يناير 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس

جاريد كوشنر يطرح "خطة غزة الجديدة" في دافوس

في لحظةٍ أراد لها البيت الأبيض أن تبدو بوصفها افتتاحًا لمرحلة ما بعد الحرب، قدّم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، رؤية متعددة المراحل لإعادة تشكيل غزة، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية يوم الخميس. كوشنر قال بلهجة حاسمة إن "لا خطة بديلة" لإعادة إعمار القطاع الذي أرهقته حربٌ امتدت عامين بين إسرائيل وحركة حماس، وإن الوقت قد حان للانتقال من إدارة الدمار إلى هندسة مستقبل جديد يَعِد بـ"السلام والازدهار".

أصبح  "مجلس السلام" الذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب حفنة من زعماء العالم، على هامش منتدى دافوس الاقتصادي الخميس، جزءًا من التاريخ السياسي ، غير أنّ اللافت في هذا الحدث ليس ضجيج التوقيع ولا صور المصافحة، بل فراغ المعنى الذي أحاط به. فحتى الآن لم يصدر توضيح واحد يشرح ماهية مهمة المجلس، ولا حدوده، ولا أدواته، ولا كيف يفترض أن يلامس واقع غزة ومواطنيها الذين لم تتوقف إسرائيل عن قتلهم، وفق تقارير ميدانية، منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول الماضي. وبينما يُفترض بالمجلس أن يكون عنوانًا لإعادة الإعمار وتهدئة ما بعد الحرب، تبدو غزة أمام عالم يحتفي بكيان جديد دون أن يقدّم ضمانة واحدة لوقف الموت أو ترميم الحياة.

كوشنر، الذي كان له دورٌ محوري في مفاوضات وقف إطلاق النار التي أنهت القتال في أكتوبر، عرض ما وصفه بـ"خارطة طريق" من 20 نقطة، تستند في بعض تفاصيلها إلى عناصر اتفاق التهدئة الذي لم يُطبَّق إلا جزئيًا حتى الآن. وتبدأ الخطة، بحسب ما قدّم، من الجنوب: عبر إعادة فتح معبر رفح على الحدود المصرية، ثم التحرك تدريجيًا نحو الشمال، مرحلةً بعد أخرى، إلى أن تكتمل إعادة بناء كامل الجغرافيا الغزّية. وتضم الرؤية بنودًا تتعلق بإقامة ميناء ومطار، وإعادة تأسيس البنية التحتية الأساسية، وصولًا إلى تطوير مشاريع سياحية تُسهم في خلق اقتصادٍ جديد للقطاع.

غير أن العمود الفقري لهذه الرؤية، كما شدّد كوشنر، هو شرط "نزع سلاح حماس" باعتباره المفتاح لأي إعمار حقيقي. وذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن إعادة البناء لن تبدأ إلا في المناطق التي يتم فيها نزع السلاح فعليًا، وأن آلية التنفيذ ستقوم على مبدأ "الأمن أولًا»"قبل الإسمنت والرافعات. كما أشار إلى خيارٍ مثير للجدل: منح عفوٍ محدود لبعض عناصر حماس الذين يوافقون على إلقاء السلاح، مع إمكانية دمجهم في جهاز أمني جديد في غزة، بوصفه إطارًا انتقاليًا لضبط الاستقرار ومنع عودة القتال.

واعترف كوشنر، رغم نبرته المتفائلة، بأن مشروعًا بهذه الضخامة لن يمر بلا عراقيل: فهو يحتاج سنواتٍ طويلة، ويستلزم تمويلًا لا يقل عن 25 مليار دولار، فضلًا عن توافقات سياسية وإقليمية معقّدة. لكنه قال إن البيت الأبيض اختار "التخطيط لنجاح باهر"، في إشارةٍ إلى إرادة سياسية تريد تحويل وقف إطلاق النار من محطة مؤقتة إلى مسار دائم.

وبالتزامن مع ذلك، أقام ترامب في واشنطن ما سُمّي «حفل توقيع» لإطلاق مجلس السلام الجديد؛ وهو كيانٌ صُمّم في الأصل لمتابعة ترتيبات غزة، لكن ترامب لمح إلى أن نطاقه قد يتسع ليشمل نزاعات دولية أخرى. وعلى الرغم من دعوة الولايات المتحدة لنحو 60 دولة للانضمام، فإن الحفل لم يشهد حضورًا إلا لنحو 20 دولة، بينهم رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، ومسؤولون من قطر والسعودية.

وقد كان أوربان الزعيم الأوروبي الوحيد الحاضر، بعدما رفضت عواصم أوروبية أخرى الانخراط في المجلس أو عبّرت عن خشيتها من تركيبة محتملة قد تتضمن روسيا، ومن إمكانية أن يتحول المجلس إلى منصةٍ موازية تُضعف المؤسسات الدولية القائمة—خصوصًا في ظل خطاب ترامب الذي لا يُخفي ازدراءه لبعض تلك الهيئات.

لكن أكثر ما لفت الانتباه، سياسيًا ورمزيًا، هو غياب إسرائيل عن حفل الإطلاق. فرغم تصريح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل ستنضم إلى المبادرة مع تحفظها على وجود تركيا وقطر—باعتبارهما داعمتين لحماس—فإنه لم يكن حاضرًا في دافوس، حيث تُعد سويسرا طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة اعتقال بحقه. كما أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الموجود في دافوس، لم يشارك في الحفل أيضًا، ما ترك علامة استفهام حول مدى الحماسة الإسرائيلية للمسار الجديد.

وفي تطور لافت، أعلن مسؤول مصري خلال المناسبة أن معبر رفح—المغلق منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023—سيُعاد فتحه في الاتجاهين الأسبوع المقبل. ويأتي هذا الإعلان بينما كانت إسرائيل قد ربطت فتح المعبر بعودة آخر رهينة إسرائيلية في غزة، ران غفيلي، وهو ما وافقت عليه حماس ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار.

وفي مواجهة الانتقادات والتشكيك بشأن جدوى المجلس وتركيبته، دعا كوشنر المتحفظين إلى تعليق أحكامهم مؤقتًا، قائلاً: "اهدأوا لمدة 30 يومًا فقط... لقد انتهت الحرب. دعونا نعمل معًا"، في محاولة لإضفاء زخم سياسي وإعلامي على مشروع يرى فيه البيت الأبيض مدخلًا لتثبيت نفوذه في ملفٍ شديد الحساسية.

ويعتقد الخبراء أن ما يطرحه كوشنر ليس "خطة إعمار" بالمعنى التقليدي، بل محاولة لإعادة تعريف غزة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد. فالإعمار هنا مشروط بنزع السلاح، أي أن إعادة الحياة تصبح مكافأة مرتبطة بتغيير بنية القوة داخل القطاع. هذا المنطق يخلق معضلة: هل يمكن بناء استقرارٍ دائم دون تسوية سياسية شاملة تضمن للفلسطينيين أفقًا وحقوقًا؟ أم أن التركيز على الأمن وحده قد يعيد إنتاج الأزمة بوجهٍ جديد؟

أما "مجلس السلام" الذي أُطلق وسط مقاعد شبه فارغة، فيبدو كأنه إعلان رغبة أمريكية بتشكيل منصة خارج الأطر الدولية التقليدية، مستندة إلى تحالفات انتقائية لا إجماع واسعًا حولها. غياب إسرائيل عنه، رغم كونه معنيًا مباشرًا بغزة، يضعف رمزيته منذ اللحظة الأولى، ويكشف أن المشروع لم ينضج بعد ليصبح إطارًا جامعًا. فمجالس السلام لا تُقاس بالاحتفالات، بل بقدرتها على إلزام الأطراف وتوفير ضماناتٍ قابلة للتطبيق.


دلالات

شارك برأيك

جاريد كوشنر يطرح "خطة غزة الجديدة" في دافوس

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.