عربي ودولي

الأربعاء 21 يناير 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

عام على عودة ترمب للبيت الأبيض: سياسة خارجية صدامية تعيد رسم خرائط النفوذ

تحليل إخباري

بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض (20 كانون الثاني 2026)، تبدو السياسة الخارجية الأميركية وقد دخلت مرحلة جديدة تتسم بقدر عالٍ من الصدامية، والتعامل البراغماتي الفج، والانحياز الصريح لاستخدام القوة والضغط الاقتصادي بوصفهما أداتين مركزيتين في إدارة العلاقات الدولية. فمنذ الأيام الأولى لولايته الثانية، أعاد ترمب إحياء عقيدة "أميركا أولاً" بصيغة أكثر حدّة، وأقل اكتراثاً بالأعراف الدبلوماسية والمؤسسات متعددة الأطراف، ما انعكس بوضوح على تعاطي واشنطن مع أبرز بؤر التوتر في العالم، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدور الأميركي في النظام الدولي.

غزة: وقف إطلاق نار مُعلّق 

يشكّل ملف غزة النموذج الأوضح لنهج ترمب في إدارة الصراعات لا حلّها. فقد بدأ وقف إطلاق النار الأول في 19 كانون الثاني 2025، أي قبل يوم واحد فقط من استلام ترمب مهامه الرئاسية، في إطار تفاهمات هشة هدفت إلى وقف الحرب المدمّرة وفتح نافذة لمعالجة إنسانية وسياسية محدودة. غير أن هذه الهدنة لم تصمد طويلاً، إذ أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خرقه في 18 آذار2025، في خطوة اعتبرها مراقبون نتيجة ضوء أخضر أميركي مباشر، في ظل امتناع واشنطن عن أي إدانة أو ضغط فعلي، وتوفيرها الغطاء السياسي والعسكري للتصعيد، إلى جانب منع المساعدات بشكل كامل من 2 آذار وحتى تشرين الأول.

ومع انهيار وقف إطلاق النار الأول، عاد قطاع غزة إلى دائرة الاستنزاف المفتوح، قبل الإعلان عن وقف ثانٍ لإطلاق النار في 10 تشرين الأول 2025، تحت وطأة ضغوط دولية وإنسانية متزايدة. إلا أن هذا الوقف بقي شكلياً إلى حد كبير، إذ واصلت إسرائيل خرقه بصورة شبه يومية عبر غارات محدودة وعمليات عسكرية موضعية وتشديد للحصار، في ظل غضّ طرف واضح من إدارة ترمب، التي تعاملت مع هذه الخروقات بوصفها "إجراءات أمنية" لا تستدعي محاسبة أو تدخلاً سياسياً.

هذا النهج الأميركي لم يكتفِ بتقويض مفهوم وقف إطلاق النار، بل أعاد تعريفه كأداة لإدارة الترتيب العسكري لا لإنهائه. وبدلاً من لعب دور الضامن أو الوسيط، تحوّلت واشنطن في عهد ترمب إلى شريك فعلي في إعادة هندسة الصراع، عبر حماية إسرائيل دبلوماسياً وطرح مسارات بديلة تتجاوز الشرعية الدولية، ما جعل الهدنة في غزة حالة مؤقتة خاضعة لموازين القوة لا لقواعد القانون الدولي.

مجلس السلام: وصاية سياسية بديلاً عن الشرعية الدولية

في هذا السياق، أعلن ترمب عن تشكيل ما أسماه "مجلس السلام"، المقرّر تدشينه من دافوس يوم الخميس 22 كانون الثاني 2026، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بوصفها محاولة لإعادة صياغة مفهوم الوساطة الدولية وفق المنظور الأميركي الصرف. فالمجلس، الذي يُفترض أن يعمل خارج إطار الأمم المتحدة ويُروَّج له كمنصة رقابية لتسوية النزاعات، يمنح واشنطن وحلفاءها دوراً مركزياً في إدارة الترتيبات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولا سيما في غزة. ويرى منتقدون أن المبادرة تكرّس وصاية دولية مُعاد تدويرها بغطاء أميركي، وتتجاوز الفلسطينيين والمرجعيات الدولية، في إطار خصخصة السلام وتحويله إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية.

إيران: من "الضغط الأقصى" إلى حافة المواجهة المفتوحة

في التعاطي مع إيران، تجاوزت إدارة ترمب الإطار التقليدي لسياسة "الضغط الأقصى" الاقتصادية، منتقلة إلى مستوى أخطر من الانخراط العسكري. ففي حزيران/يونيو الماضي، شاركت الولايات المتحدة فعلياً في الحرب الإسرائيلية العدوانية على إيران، من خلال دعم استخباري ولوجستي وعملياتي مباشر، شمل تنسيقاً عسكرياً واستخدام أصول أميركية في المنطقة، ما أسقط عملياً أي ادعاء بالحياد.

وقد أعقب ذلك تصعيد سياسي وإعلامي متواصل، تُرجم خلال الشهر الجاري بسلسلة تهديدات علنية أطلقها ترمب وكبار مسؤولي إدارته، توعّدت إيران بـ"عواقب قاسية". هذا المسار دفع المنطقة إلى حافة مواجهة أوسع، وكرّس مناخاً دائماً من التوتر في ظل غياب شبه كامل لأي أفق دبلوماسي.

سوريا: تقليص الانخراط وتعظيم الكلفة

في سوريا، حافظت إدارة ترمب على حضور عسكري محدود، مقابل تقليص واسع للمساعدات الإنسانية وبرامج إعادة الإعمار. السياسة الأميركية لا تسعى إلى تسوية سياسية شاملة، بقدر ما تهدف إلى منع خصوم واشنطن، ولا سيما إيران وروسيا، من تثبيت مكاسب استراتيجية نهائية. غير أن هذا الانكفاء ترك فراغاً سياسياً وإنسانياً، يُنذر باستمرار الهشاشة الأمنية وإعادة إنتاج الصراع بأشكال مختلفة.

اليمن: العصا الغليظة ثم التهدئة المحسوبة

في اليمن، جمعت سياسة ترمب بين التصعيد والتهدئة. فقد صنّفت واشنطن جماعة الحوثي تنظيماً إرهابياً وشاركت في ضربات عسكرية، قبل أن تقبل لاحقاً بوقف لإطلاق النار برعاية إقليمية. ويعكس هذا النهج فلسفة فرض الوقائع بالقوة أولاً، ثم التفاوض من موقع تفوّق، دون معالجة جذرية لأسباب الحرب أو كلفها الإنسانية.

أوكرانيا: وعود السلام وحدود الواقع

في الملف الأوكراني، اصطدمت وعود ترامب بإنهاء الحرب سريعاً بواقع ميداني معقّد. خفّضت واشنطن مستوى الدعم العسكري لكييف، ودَفعت باتجاه مفاوضات غير واضحة المعالم، ما أثار قلق الحلفاء الأوروبيين الذين رأوا في ذلك مؤشراً على تراجع الالتزام الأميركي بأمن القارة، وفتح الباب أمام حسابات روسية أكثر جرأة.

فنزويلا: ذروة التدخل المباشر

بلغت سياسة دونالد ترامب الخارجية ذروتها في فنزويلا، حيث انتقلت الولايات المتحدة من مسار الضغوط الاقتصادية والعقوبات المشددة إلى تدخل عسكري مباشر أنهى حكم الرئيس نيكولاس مادورو. ووفق الرواية الأميركية، شكّل اختطاف مادورو وزوجته سيليا فلوريس في الثالث من كانون الثاني 2025 نقطة التحول الحاسمة، إذ قُدِّمت العملية بوصفها "إجراءً استباقيًا" لإزالة ما اعتبرته واشنطن تهديدًا للأمن الإقليمي. هذا التطور أعاد إلى الأذهان نماذج التدخل الأميركي الكلاسيكية في أميركا اللاتينية خلال القرن العشرين.

ولم يُخفِ ترامب، في خطاباته اللاحقة، البعد الاقتصادي لهذا التحرك، إذ شدّد صراحة على أن السيطرة على النفط الفنزويلي تمثل مصلحة إستراتيجية للولايات المتحدة، سواء لضمان أمن الطاقة أو لإعادة تشكيل سوق النفط العالمي بعيدًا عن نفوذ الخصوم. غير أن هذا التدخل، بما انطوى عليه من تجاوز لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، أثار تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول مستقبل النظام الدولي، وحدود استخدام القوة، وما إذا كانت واشنطن بصدد تكريس سابقة جديدة تُشرعن إسقاط الحكومات بالقوة تحت عناوين الأمن والمصالح الإستراتيجية

من الوساطة إلى الشراكة في الصراع

تكشف تجربة غزة وإيران أن إدارة ترمب تخلّت عملياً عن دور الوسيط التقليدي، وانتقلت إلى موقع الشريك في إدارة الصراع. هذا التحول لا يغيّر فقط صورة الولايات المتحدة، بل ينسف الأساس الذي قامت عليه دبلوماسيتها منذ عقود، ويحوّلها من ضامن للاستقرار إلى طرف يصعب الوثوق به، ما يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لملء الفراغ.

القوة الصلبة وحدود الردع

تعتمد سياسة ترمب الخارجية على فرض الردع بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية، غير أن التجربة تُظهر أن هذا الردع غالباً ما يكون مؤقتاً. فبدلاً من إنهاء الصراعات، تؤدي هذه المقاربة إلى تجميدها أو نقلها إلى مستويات أقل وضوحاً، لكنها أكثر خطورة، ما يجعل الاستقرار الإقليمي هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة.

تآكل الشرعية الدولية

إن تجاوز الأمم المتحدة والأطر متعددة الأطراف، سواء في غزة أو فنزويلا، يعكس توجهاً أميركياً لتهميش النظام الدولي القائم. غير أن هذا المسار لا يضعف خصوم واشنطن بقدر ما يضعف القواعد التي تنظّم العلاقات الدولية، ويفتح الباب أمام فوضى استراتيجية حيث تصبح القوة، لا القانون، هي المرجعية النهائية.

عالم أكثر اضطراباً وأقل يقيناً

في المحصلة، أسهم عام ترمب الأول في دفع النظام الدولي نحو مرحلة أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ. فغياب الرؤية الشاملة، والرهان على الحلول السريعة، وتغليب الحسابات الداخلية، كلها عوامل تجعل السياسة الأميركية مصدراً لعدم الاستقرار، لا ركيزة له، وهو ما قد ترتد كلفته على واشنطن نفسها على المدى البعيد.

 

دلالات

شارك برأيك

عام على عودة ترمب للبيت الأبيض: سياسة خارجية صدامية تعيد رسم خرائط النفوذ

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.