فلسطين

الثّلاثاء 20 يناير 2026 11:48 صباحًا - بتوقيت القدس

إعلان غوتيريش أن مجلس الأمن لم يعد يمثل العالم، اعتراف بفشل النظام الدولي

واشنطن – سعيد عريقات

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في تصريح لافت وغير مسبوق في حدّته، أن مجلس الأمن "لم يعد يمثل العالم" وأنه بات "غير فعّال" في أداء دوره الأساسي في حفظ السلم والأمن الدوليين. ولم يأتِ هذا الإعلان بوصفه توصيفًا عابرًا لأزمة ظرفية، بل كتشخيص صريح لخلل بنيوي عميق يضرب صميم النظام الدولي، في لحظة تتكاثر فيها الحروب المدمّرة وتتراجع فيها قدرة القانون الدولي على كبح منطق القوة وفرض المساءلة.

تأتي كلمات غوتيريش فيما يشهد العالم سلسلة نزاعات مفتوحة تحولت إلى اختبارات قاسية لفكرة الأمن الجماعي نفسها. في غزة، يتواصل القصف والحصار والتجويع وسط عجز المجلس عن فرض وقف إطلاق نار ملزم. في السودان، تتفكك الدولة تحت وطأة حرب داخلية دامية تمرّ إلى حد كبير خارج دائرة الاهتمام الدولي. أما ليبيا واليمن وسوريا، فقد تحوّلت حروبها الطويلة إلى أزمات مزمنة تُدار ولا تُحل، بينما تستنزف الحرب في أوكرانيا النظام الدولي وتكشف حدود الردع والوساطة الأممية في مواجهة صراع بين قوى كبرى.

في كل هذه الملفات، يظهر مجلس الأمن عاجزًا عن أداء دوره الجوهري. قرارات تتعطل، مشاريع تسقط بالفيتو، وبيانات تُخفَّف لغتها إلى حد التفريغ السياسي. هذا العجز المتكرر لم يعد استثناءً، بل أصبح نمطًا بنيويًا يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى المجلس بصيغته الحالية.

التحقيق في أسباب هذا الشلل يقود مباشرة إلى بنية مجلس الأمن نفسها، التي لا تزال أسيرة توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية. فحق النقض (الفيتو)، الذي تحتكره خمس دول دائمة العضوية هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، تحوّل من آلية توازن إلى أداة تعطيل. في غزة، كما في سوريا وأوكرانيا، استُخدم الفيتو لحماية حلفاء أو لمنع المساءلة، لا لمنع التصعيد أو إنقاذ المدنيين.

خلال السنوات الأخيرة، سقطت مشاريع قرارات تتعلق بوقف القتال أو حماية المدنيين أو إيصال المساعدات الإنسانية في أكثر من ساحة صراع. في اليمن والسودان وليبيا، تُركت الأزمات تتفاقم تحت شعارات "القلق العميق" و"الدعوة إلى ضبط النفس"، فيما غابت أي آلية إلزام حقيقية. هنا يتضح أن المجلس لا يعاني نقصًا في التقارير أو المعلومات، بل خضوعًا مباشرًا لحسابات القوة.

ولا يقتصر تآكل النظام الدولي على عجز مجلس الأمن عن الفعل، بل يتجلى أيضًا في تجاوز سافر للقانون الدولي خارج قاعاته. فقد شكّلت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وفق تقارير متطابقة، سابقة خطيرة جرت بأسلوب أمني عابر للحدود، من دون أي اعتبار لمبدأ سيادة الدول أو للحصانة التي يتمتع بها رؤساء الدول. اللافت أن هذه الحادثة لم تُقابل بنقاش جدي داخل مجلس الأمن ولا بإدانة مؤسسية واضحة، ما كشف كيف يُسمح بتعليق القانون الدولي حين يكون المنتهِك طرفًا نافذًا، في صمت أممي يرقى إلى القبول الضمني.

إلى جانب هذا العجز الوظيفي، يبرز خلل جوهري في التمثيل. فالمجلس لا يعكس الخريطة السياسية ولا الديمغرافية للعالم الذي يطال قراراته. أفريقيا، التي تضم السودان وليبيا وتتحمل العبء الأكبر من النزاعات، لا تمتلك مقعدًا دائمًا واحدًا. العالم العربي، الذي يضم غزة واليمن وسوريا، غائب عن مركز القرار الدائم، في مقابل احتفاظ أوروبا بتمثيل مضاعف رغم تراجع ثقلها النسبي عالميًا.

هذا الخلل في التمثيل ينسف شرعية المجلس ويعمّق الفجوة بين من يقرر ومن يدفع الثمن. فالدول والمجتمعات التي تعيش ويلات الحروب المدمّرة لا تملك صوتًا دائمًا في الهيئة التي تقرر مصيرها. ومع استمرار هذا الوضع، تتآكل الثقة في النظام الأممي، ويترسخ الانطباع بأن القانون الدولي يُطبَّق بانتقائية صارخة.

حذّر غوتيريش من أن عجز مجلس الأمن لا يبقى حبيس قاعاته، بل ينعكس على النظام الدولي ككل. فحين يفشل المجلس في غزة أو السودان أو أوكرانيا، تزداد نزعة الدول نحو الحلول الأحادية والتحالفات خارج إطار الأمم المتحدة. وهكذا، يتراجع منطق الأمن الجماعي لصالح سياسات الردع والقوة.

ورغم الدعوات المتكررة لإصلاح مجلس الأمن، سواء عبر توسيع العضوية الدائمة أو تقييد استخدام الفيتو في حالات الجرائم الكبرى، يبقى التقدم شبه معدوم. فالإصلاح مرهون بموافقة الدول الخمس الدائمة، أي القوى ذاتها التي تستفيد من الشلل القائم، ما يجعل التغيير مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.

الأثر الأخلاقي لهذا الجمود لا يقل خطورة عن أثره السياسي. ففي غزة واليمن وسوريا والسودان، لا يُقاس الفشل بعدد القرارات المؤجلة، بل بعدد الأرواح التي تُترك بلا حماية. وحين تعجز أعلى هيئة دولية عن وقف نزيف المدنيين، تفقد تدريجيًا قدرتها على الادعاء بأنها مرجعية أخلاقية.

الخلاصة هي أن أزمة مجلس الأمن ليست في ظرف استثنائي، بل في بنية تُنتج العجز وتعيد إنتاجه. فإما أن يُعاد بناء المجلس ليعكس عالم اليوم ويحدّ من امتياز الفيتو، أو أن يستمر في التآكل حتى يفقد دوره بالكامل. عندها، لن تكون الحروب في غزة والسودان وليبيا واليمن وسوريا وأوكرانيا، ولا سابقة اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، مجرد أحداث منفصلة، بل أعراضًا دائمة لانهيار نظام دولي عجز عن إصلاح نفسه.

دلالات

شارك برأيك

إعلان غوتيريش أن مجلس الأمن لم يعد يمثل العالم، اعتراف بفشل النظام الدولي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.