واشنطن – سعيد عريقات
في صدمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة في تاريخ أميركا اللاتينية الحديث، استيقظ العالم على خبر قصف الولايات المتحدة للعاصمة الفنزويلية كاراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، في عملية خاطفة كسرت محظورات راسخة في العلاقات الدولية، وأعادت تعريف حدود القوة الأميركية، وطرحت أسئلة ثقيلة حول شرعية "تدويل العدالة" بالقوة العسكرية، ومستقبل نظام عالمي بات أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنبؤ.
العملية، التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنفسه عبر منصته "تروث سوشيال"، لم تُقدَّم كعمل عسكري تقليدي، بل كتنفيذ مباشر لأمر اعتقال بحق رئيس دولة ذي سيادة. ترامب وصف الضربة بأنها "ناجحة وواسعة النطاق"، وأكد نقل مادورو وزوجته خارج البلاد تمهيدًا لمحاكمتهما في الولايات المتحدة، على أن تُعرض التفاصيل لاحقًا في مؤتمر صحفي. بهذا الإعلان، لم تكتفِ واشنطن باستخدام القوة، بل حرصت على إضفاء طابع قانوني داخلي على فعل عسكري عابر للحدود.
الولايات المتحدة كانت قد وجّهت اتهامات لمادورو بتهريب المخدرات للمرة الأولى عام 2020، لكنها رفعت مستوى التصعيد بشكل غير مسبوق بعد عودة ترامب إلى السلطة، حين صنّفته زعيمًا لعصابة إرهابية لتجارة المخدرات، ورصدت مكافأة قياسية بلغت 50 مليون دولار لمن يساهم في اعتقاله. غير أن هذه الحملة، رغم حدّتها، افتقرت إلى أدلة علنية كافية، ما أثار شكوكًا واسعة حول ما إذا كانت القضية قانونية بالفعل أم أداة سياسية لإسقاط نظام معادٍ.
حتى توصيف ما يُعرف بـ"كارتل الشمس" ظل محل خلاف. فبدل تنظيم مركزي تقوده الرئاسة الفنزويلية، تشير تقارير وتحليلات عديدة إلى شبكة فضفاضة تضم مسؤولين فاسدين من مستويات متوسطة، وعسكريين انتهازيين، ومجرمين منظمين، تعمل في ظل تساهل الدولة وغضّ طرفها، دون أن تكون خاضعة لإدارة مباشرة من القصر الرئاسي. هذا التباين بين خطورة الاتهام وضبابية الوقائع زاد من هشاشة السردية الأميركية أمام الرأي العام الدولي.
السيناتور الجمهوري مايك لي كشف عبر منصة "إكس" أن وزير الخارجية ماركو روبيو أبلغه بأن مادورو اعتُقل على يد عناصر أميركية، وأن العملية العسكرية نُفذت لحماية القوة التي كانت تنفذ أمر الاعتقال. وذهب لي إلى تبرير الضربة بالاستناد إلى “المادة الثانية” من الدستور الأميركي، معتبرًا أن الرئيس يملك صلاحية استخدام القوة لحماية الأميركيين من تهديد "فعلي أو وشيك"، وهو تفسير موسّع وخطير للصلاحيات الرئاسية خارج إطار التفويض الدولي.
في المقابل، قالت مصادر أميركية لصحيفة نيويورك تايمز إن العملية لم تسفر عن أي خسائر في صفوف القوات الأميركية. لكن الرواية الفنزويلية جاءت مغايرة تمامًا. فقد أكدت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز أن الحكومة لم تتمكن من تحديد مكان مادورو وزوجته بعد القصف، وطالبت واشنطن بتقديم دليل على أنهما على قيد الحياة، مشيرة إلى مقتل مدنيين وعسكريين فنزويليين في الغارات الجوية.
رودريغيز وصفت ما جرى بأنه "عدوان سافر"، وأعلنت تفعيل الميليشيات الشعبية وخطط الدفاع الشاملة، داعية الشعب إلى النزول إلى الشوارع دفاعًا عن السيادة والاستقلال، ومستحضرة إرث سيمون بوليفار بوصفه رمزًا تاريخيًا لمقاومة التدخل الخارجي. هذا الخطاب لم يكن موجّهًا للداخل فقط، بل حمل رسالة واضحة إلى الخارج بأن فنزويلا تعتبر ما حدث تجاوزًا خطيرًا لن يمر من دون تبعات.
دوليًا، سارعت روسيا إلى إدانة الهجوم الأميركي، واعتبرته عمل عدوان مسلح، مؤكدة تضامنها مع الشعب الفنزويلي ودعمها للمسار البوليفاري وحماية السيادة الوطنية. هذا الموقف عكس مجددًا عمق الانقسام الدولي، حيث تتحول الأزمات الإقليمية إلى ساحات اختبار لتوازنات عالمية أوسع بين واشنطن ومنافسيها.
الصدمة التي أحدثتها الولايات المتحدة لا تكمن فقط في اعتقال رئيس دولة، بل في تكريس مبدأ جديد يرى في القوة العسكرية أداة مباشرة لتطبيق القانون الأميركي خارج حدوده. هذا التحول يمثل تراجعًا خطيرًا عن الأعراف الدولية، ويحوّل واشنطن من لاعب مؤثر في النظام العالمي إلى طرف يعيد صياغته بالقوة، ما ينذر بفوضى إذا ما قررت قوى أخرى تقليد هذا النهج.
القضية الفنزويلية تكشف مأزق "تسييس العدالة" في السياسة الدولية. فحين تُستخدم الاتهامات الجنائية لتبرير تدخل عسكري، تتآكل مصداقية الخطاب الحقوقي نفسه. غياب الأدلة العلنية المقنعة يضعف الرواية الأميركية، ويمنح خصومها فرصة لتصوير العملية كعمل انتقامي، بل ويحوّل مادورو، رغم سجله المثير للجدل، إلى رمز مقاومة في نظر أنصاره.
الأخطر من الحدث ذاته هو السابقة التي يكرّسها. إذا أصبح اعتقال رؤساء الدول بالقصف خيارًا مشروعًا، فإن النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. الدول الأضعف ستكون الأكثر عرضة، والتحالفات ستزداد عسكرة، بينما تتراجع فرص الحلول الدبلوماسية، ما يدفع العالم خطوة إضافية نحو منطق شريعة القوة بدل قوة الشرعية.
في المحصلة، لم يكن قصف كاراكاس مجرد عملية أمنية، بل زلزالًا سياسيًا ستكون له ارتدادات طويلة الأمد. وبين روايتين متناقضتين، تبقى الحقيقة رهينة ميزان القوة، فيما يقف العالم أمام سؤال مفتوح: هل ما جرى استثناء صادم، أم بداية عصر أكثر قسوة واضطرابًا في العلاقات الدولية.





شارك برأيك
قصف كاراكاس واختطاف مادورو: الصدمة الأميركية التي كسرت المحظورات وفتحت باب الفوضى الدولية