عربي ودولي

الأربعاء 31 ديسمبر 2025 9:09 صباحًا - بتوقيت القدس

عام ترمب في فلسطين: دعم بلا حدود لإسرائيل وحصاد من الدمار في غزة والضفة

واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات

اختتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب عام 2025 في السياسة الفلسطينية–الإسرائيلية بالطريقة ذاتها التي بدأ بها: انحيازًا صلفًا، ومكشوفًا، وخاليًا من أي ادعاء توازن أو احترام للقانون الدولي. فقد أنهى العام باستقباله رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية كمتهم بارتكاب جرائم حرب، في منتجعه الخاص بمار-آ-لاغو الاثنين، 29 كانون الأول 2025، حيث أغدق عليه الإطراء وامتدح "قيادته" و"إنجازاته العسكرية"، متجاهلًا كليًا سجل حكومته في التدمير الواسع وقتل المدنيين. والأكثر دلالة، أن ترمب لم يأتِ على ذكر خروقات إسرائيل المتواصلة لوقف إطلاق النار في غزة، ولا الكلفة الإنسانية الفادحة لهذه الخروقات، في مشهد عكس بوضوح أن السياسة الأميركية لم تكن معنية بإنهاء الحرب، بل بحماية من يشنّها، مهما كانت النتائج.

منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد ترمب صياغة السياسة الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي على قاعدة الانحياز الكامل لإسرائيل، ليس فقط في بعدها الأمني، بل في مشروعها السياسي والاستيطاني الأوسع. وقد بلغ هذا النهج ذروته خلال الحرب الإسرائيلية المدمّرة على قطاع غزة، حيث وفّرت واشنطن غطاءً سياسيًا وعسكريًا غير مشروط، متجاهلةً حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي لحقت بالمدنيين الفلسطينيين.

لم يقتصر الدعم الأميركي على تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر المتطورة، بل شمل تعطيلًا منهجيًا لأي مسار دولي للمساءلة، عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن، ورفض الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار، والتشكيك في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية. هذا الغطاء حوّل الحرب على غزة إلى عملية مفتوحة بلا سقف زمني أو أخلاقي، وأسهم في تعميق الدمار، وارتفاع أعداد الضحايا، وتوسيع نطاق التهجير القسري.

في المقابل، جرى اختزال الفلسطينيين في الخطاب الأميركي إلى "مشكلة أمنية" تُختصر بحركة حماس، في تجاهل متعمّد لجذور الصراع الحقيقية، المتمثلة في الاحتلال والحصار الممتد منذ سنوات، وانسداد الأفق السياسي بالكامل. ولم تُبدِ إدارة ترمب أي استعداد للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، أو حتى الالتزام بالحد الأدنى من قواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية المدنيين وقت النزاعات.

غير أن التركيز على غزة وحدها يخفي وجهًا آخر لا يقل خطورة من السياسة الأميركية، يتمثل في ما يجري بالتوازي في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية المحتلة. فخلال انشغال العالم بالحرب على غزة، شهدت الضفة تصاعدًا غير مسبوق من عنف المستوطنين، شمل هجمات منظمة على القرى الفلسطينية، وإحراق المنازل والمزارع، واعتداءات جسدية وقتلًا ميدانيًا، غالبًا تحت حماية الجيش الإسرائيلي، وفي ظل صمت أميركي مطبق.

تزامن هذا التصعيد مع تسارع لافت في وتيرة الاستيطان، بلغ مستويات غير مسبوقة، سواء عبر المصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، أو عبر شرعنة بؤر عشوائية كانت تُعد سابقًا غير قانونية حتى وفق القوانين الإسرائيلية نفسها. أما القدس الشرقية، فقد واصلت الحكومة الإسرائيلية فرض سياسات التهويد، من هدم المنازل، وسحب الهويات، وتوسيع الاستيطان في محيط المسجد الأقصى، في محاولة ممنهجة لتغيير الواقع الديمغرافي والسياسي للمدينة.

الموقف الأميركي من هذه التطورات اتسم بالتواطؤ الصريح، سواء عبر الامتناع عن أي إدانة جدية، أو الاكتفاء بتصريحات فضفاضة لا تتبعها إجراءات عملية. بل إن سياسة ترمب وفّرت، عمليًا، مظلة سياسية لهذه الممارسات، من خلال التعامل مع الاستيطان بوصفه "أمرًا واقعًا"، لا جريمة موصوفة بموجب القانون الدولي، ما شجّع الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين على المضي قدمًا دون خشية من المحاسبة.

ويبلغ هذا التواطؤ الأميركي ذروته حين يتعلق الأمر بقتل فلسطينيين يحملون الجنسية الأميركية في الضفة الغربية المحتلة، حيث تكشف الوقائع عن نمط متكرر من الإفلات من العقاب، يقوّض أي ادعاء أميركي بالدفاع عن مواطنيه أو عن مبادئ العدالة. فقد قُتل عدد من الأميركيين الفلسطينيين منذ استلام ترمب (كما في السنوات الأخيرة) برصاص الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين، في ظروف وثّقتها منظمات حقوقية وشهود عيان، دون أن تُفضي أي من هذه الجرائم إلى مساءلة حقيقية أو محاسبة قانونية.

في كل مرة، تكتفي وزارة الخارجية الأميركية بتصريحات نمطية تدعو إلى "التحقيق" أو التعبير عن "القلق"، ثم تُغلق الملفات عمليًا بمجرد إعلان إسرائيل عن فتح تحقيق داخلي شكلي، غالبًا ما ينتهي إلى تبرئة القتلة أو تحميل الضحية المسؤولية. هذا القبول الأميركي الأوتوماتيكي بالرواية الإسرائيلية، حتى عندما تكون الأدلة الميدانية مناقضة لها، يعكس قرارًا سياسيًا واعيًا بتقديم حماية دبلوماسية لإسرائيل، ولو كان الثمن دم مواطنين أميركيين.

الأخطر من ذلك أن هذا التجاهل لا يقتصر على حالات فردية، بل يعكس سياسة ممنهجة تعتبر الفلسطيني الأميركي استثناءً من مفهوم "المواطنة" الذي يفترض أن يحظى بالحماية الكاملة للدولة. ففي حين تُحشد أدوات الضغط السياسي والإعلامي والقانوني عندما يتعرض أميركي للأذى في أي مكان آخر من العالم، يُعامل الأميركي الفلسطيني كحالة هامشية، تُختزل حياته في معادلات "الأمن الإسرائيلي".

هذا النهج لا يشجع فقط على تكرار الجرائم، بل يبعث رسالة واضحة للمستوطنين والجنود الإسرائيليين مفادها أن قتل الفلسطيني، حتى لو كان يحمل جواز سفر أميركيًا، لن يترتب عليه ثمن سياسي أو قانوني. وهكذا، تتحول الجنسية الأميركية من درع حماية إلى تفصيل بلا قيمة، ما دام القاتل إسرائيليًا والضحية فلسطينيًا.

ضمن هذا السياق، طرحت إدارة ترمب ما سُمي "خطة غزة" باعتبارها مخرجًا سياسيًا، لكنها في جوهرها عالجت النتائج لا الأسباب، وركّزت على نزع سلاح الفلسطينيين وإعادة هندسة إدارة القطاع، دون أي التزام بإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق السياسية الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة الغربية. وهكذا، بدا أن واشنطن تتعامل مع القضية الفلسطينية كملف أمني–إنساني مجزأ، لا كقضية تحرر وطني متكاملة.

إقليميًا، عزز هذا النهج شعورًا متزايدًا بأن الولايات المتحدة لم تعد وسيطًا، بل طرفًا منحازًا بالكامل. وقد جاء القصف الأميركي لمواقع إيرانية ليؤكد أن منطق القوة بات الأداة المفضلة في إدارة ملفات المنطقة، على حساب الدبلوماسية والحلول السياسية، فيما تُترك القضية الفلسطينية خارج أي حسابات إستراتيجية جادة.

إن أخطر ما في سياسة ترمب لا يتمثل فقط في دعمه غير المشروط لحرب غزة، بل في توفيره غطاءً شاملًا لمشروع إسرائيلي أوسع يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، عبر الجمع بين التدمير الواسع في غزة، والضم الزاحف في الضفة الغربية، وتهويد القدس الشرقية. وفي ظل هذا النهج، تتآكل المرجعيات الدولية، ويُغلق الباب أمام أي حل سياسي عادل وقابل للحياة.

تكشف سياسة ترمب تجاه غزة والضفة الغربية عن رؤية واحدة متكاملة، لا عن ملفات منفصلة. فالحرب في غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة، وتهويد القدس، كلها حلقات في مسار واحد حظي بدعم أميركي صريح أو بصمت متواطئ. هذا النهج لا يسعى إلى إنهاء الصراع، بل إلى إدارته بالقوة، مع فرض وقائع دائمة على الأرض.

في المدى المنظور، تبدو سياسة ترمب وصفة مؤكدة لمزيد من الانفجار. فشعب يُقصف في غزة، ويُهاجم في الضفة، ويُقتلع من القدس، لا يمكن إخضاعه بالقوة إلى الأبد. ومن دون تغيير جذري في النهج الأميركي، سيبقى الاستقرار وهمًا، والسلام مؤجلًا، والعنف مرشحًا للتجدد بأشكال أشد.

دلالات

شارك برأيك

عام ترمب في فلسطين: دعم بلا حدود لإسرائيل وحصاد من الدمار في غزة والضفة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.