أقلام وأراء

الأحد 28 ديسمبر 2025 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو بناء رأس مال اجتماعي في الجامعات الفلسطينية: مقاربة نقدية وفق فيراري وجون ديوي

تخيل قاعة محاضرات نموذجية في إحدى جامعاتنا: أستاذ يقف أمام الصف ينقل معلومات من عروضه التقديمية إلى دفاتر الطلاب، الذين ينصتون (أو يمارسون فنون التشتت الذهني) بانتظار أن تُختزل خبراتهم التعليمية كلها في علامة رقمية في نهاية الفصل، هذه الصورة، التي وصفها باولو فريري بـ "التعليم البنكي" – حيث يُودع المعلم المعلومات في عقول الطلاب السلبية كما يُودع المال في البنك – ليست خيالاً، بل هي واقع تعيشه العديد من القاعات الدراسية في الجامعات الفلسطينية.
فمن خلال رحلتي التعليمية فيها، وجدت هذا النموذج يطغى بوضوح، حيث يندر وجود أستاذ جامعي يحفز طلابه على التفكير النقدي والإبداعي، ربما لأن العلامة – ذلك الرقم السحري – أصبحت هي المحرك الأساسي والهدف الأقصى للعملية التعليمية برمتها، وتحولت العلاقة بين الأستاذ والطالب إلى معادلة محكومة بهذا الرقم، مما أفقدها عمقها الإنساني وحولها إلى علاقة تعاقدية جافة، تذبل فيها روح الحوار وتختفي ملامح المجتمع التعليمي.
هذا الواقع لا يعكس مجرد خللٍ تربويٍ عابر، بل هو تجسيد لأزمة أعمق: أزمة في رأس المال الاجتماعي داخل المؤسسة التعليمية، فإذا كان رأس المال الاجتماعي، كما عرفه علي (2016)، هو "هيكل العلاقات الاجتماعية غير الرسمية المؤدية إلى تطوير التعاون"، والقيم المشتركة من ثقة وتبادلية وتسامح والتزام، فإن نموذج التعليم البنكي يقوم بنقض هذه الأسس جميعاً، فهو علاقة رأسية أحادية، تضعف الثقة (إذ يحل محلّها الخوف من التقويم)، وتلغي التبادلية (فالمعرفة تنتقل في اتجاه واحد)، ولا تشجع على التسامح الفكري (لأن الإجابة "الصحيحة" الواحدة هي المطلوبة)، ويصبح الالتزام فيها شكلياً مرتبطاً بالمنفعة (نيل العلامة) وليس بالانتماء إلى جماعة معرفية.
هنا يبرز السؤال الحاسم: كيف يمكن تحويل الفصل الدراسي من "بنك" للمعلومات إلى "مجتمع مصغر" غني برأس مال اجتماعي يحفز التعلم الحقيقي؟ الإجابة تكمن في تبني فلسفة تربوية نقدية بناءة، تستلهم أفكار كل من جون ديوي وباولو فريري، وتعيد بناء العلاقة بين الأستاذ والطالب على أسس جديدة.
أولاً: من الثقة الرأسية إلى الثقة التبادلية: إعادة بناء الجسور
يبدأ التحول من كسر حاجز الخوف الذي تخلقه العلامة كأداة للرقابة والسلطة،فالثقة، التي يراها دوركايم عنصراً جوهرياً لاستقرار أي نسق اجتماعي، لا تنمو في تربة الخوف، نحتاج إلى علاقة مهنية قائمة على الصدق والشفافية، حيث يعلن الأستاذ عن أهدافه التربوية بوضوح، ويشارك الطلاب في معايير التقييم، ويخلق مساحات آمنة للخطأ، كما يقول فريري، "الحوار لا يمكن أن يوجد في غياب الحب العميق للعالم وللإنسان... ولا دون ثقة عميقة في الإنسان وقدرته على الخلق"، حين يثق الأستاذ في قدرة طلابه على التفكير والإبداع، وينزع قدسية "الامتحان" كأداة للقهر، تحرر طاقات الطلاب، وتتحول الثقة من مجرد أمل إلى ممارسة يومية تبني جسوراً متينة للتعاون.
ثانياً: إحياء التبادلية: من نقل المعرفة إلى صناعتها المشتركة
يجب تجاوز النموذج الذي يجعل الطالب مجرد وعاء سلبي،فالتعليم الحقيقي، كما يراه ديوي، عملية اجتماعية تحدث من خلال "المشاركة المشتركة في النشاط"، وهذا يتطلب تحويل المحاضرة إلى ورشة عمل، والمهمة الفردية إلى مشروع جماعي، والسؤال المغلق إلى إشكالية مفتوحة للنقاش، في هذا النموذج التبادلي، يصبح الأستاذ ميسراً للمعرفة وليس مالكها الحصري، ويصبح الطالب شريكاً في بنائها.
هنا تتحقق التبادلية بمفهومها العميق: تبادل الأفكار والخبرات والأدوار، مما يقوي الشبكة الاجتماعية داخل الفصل ويعزز الشعور بالمشاركة الفاعلة، وهو جوهر رأس المال الاجتماعي الذي أشار إليه بورديو.



ثالثاً: التسامح كفضاء للاختلاف: من الإجابة الواحدة إلى تعددية التفسيرات
يقتل التعليم البنكي التسامح الفكري،لأنه يقدس الإجابة النموذجية، وأما بناء مجتمع تعلمي قوي فيتطلب خلق بيئة تقبل الاختلاف وتحتفي بالتنوع في الآراء والمناهج.
فالتسامح، كبعد أساسي في رأس المال الاجتماعي، هو القدرة على "تنظيم أنماط التفاعل داخل المجتمع المدني، وترسيخ قيم القبول والتعايش السلمي" (عبد، 2007)، على الأستاذ أن يشجع الطلاب على طرح آراء مخالفة، وأن يدربهم على مناقشة الأفكار بعيداً عن الشخصنة والأحزاب الساسية، وأن يعلمهم أن الحقيقة غالباً ما تكون متعددة الأوجه، هذا الفضاء الحر هو ما يسمح بنمو الفكر النقدي، ويحول الفصل من ساحة للتنافس على الإجابة "الصحيحة" إلى ورشة دائمة للحوار الخلاق.
رابعاً: الالتزام النابع من الانتماء: من العلامة إلى المصلحة المشتركة
عندما تتحقق الثقة والتبادلية والتسامح،ينشأ بشكل طبيعي التزام أصيل تجاه الجماعة التعلمية ( الطلبة وأساتذتهم)، لم يعد الالتزام مجرد تسليم واجب لتحصيل درجة، بل يصبح إدراكاً لدور الفرد في نجاعة العملية المشتركة، كما يوضح ديوي، "فالمصلحة المشتركة، والإدراك الواعي لما تعنيه هذه المصلحة، والعمل الدؤوب لصونها وتنميتها، هي السمات المميزة للمجتمع الديمقراطي"، يلتزم الأستاذ بكونه موجهاً ومحفزاً، ويلتزم الطالب بكونه شريكاً مسؤولاً، وهذا الالتزام هو الضامن لاستمرارية رأس المال الاجتماعي ونموه، وهو ما يحول العلاقة المؤقتة (لفصل دراسي) إلى أثر تربوي دائم.
خاتمة: الجامعة كمجتمع، وليس كمصنع
التحول من التعليم البنكي إلى التعليم القائم على بناء رأس المال الاجتماعي ليس رفاهية،بل هو ضرورة للجامعات الفلسطينية في ظل التحديات المعقدة التي تواجهها، فالمجتمع الذي يحتاج إلى إبداع وابتكار وحلول خلاقة، لا يمكن أن ينتجها من قوالب تعليمية جامدة، بناء هذا الرأس مال – عبر علاقات تبادلية تقوم على الثقة والتسامح والالتزام – هو استثمار في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في المعرفة، وإنها عملية تحرر، كما أرادها فريري، حيث يصبح التعليم "ممارسة للحرية"، فحينها، لن تكون العلامة سوى أثر جانبي لعملية تعلم غنية ومجتمع تعلمي قوي، قادر على أن ينتج، ليس فقط خريجين أكفاء، بل مواطنين مفكرين، متعاونين، وملتزمين بمجتمعهم وقادرين على بنائه.
قائمة المراجع:
فريري، ب. (2000). تربية المقهورين (م. ب. راموس، مترجم). continuum. (الأصل نشر عام 1970).
ديوي، ج. (2005). الديمقراطية والتربية. دوفر للنشر. (الأصل نشر عام 1916).
علي، ص. (2016). رأس المال الاجتماعي: المفهوم والأبعاد. دار المعرفة.
عبد، س. (2007). التسامح والتماسك الاجتماعي. مجلة العلوم الاجتماعية، 35(2)، 45-67.
Bourdieu, P. (1986). The forms of capital. In J. Richardson (Ed.), Handbook of theory and research for the sociology of education (pp. 241–258). Greenwood.
_____________
* طالبة دكتوراه في برنامج القيادة والإدارة التربوية في جامعة القدس- أبوديس



دلالات

شارك برأيك

نحو بناء رأس مال اجتماعي في الجامعات الفلسطينية: مقاربة نقدية وفق فيراري وجون ديوي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.