يتوجه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى منتجع مار-آ-لاغو في ولاية فلوريدا، حيث يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين 29 كانون الأول الجاري، في زيارة تعكس تباينًا متزايدًا في الأولويات بين الجانبين. ففي الوقت الذي يسعى فيه نتنياهو إلى الدفع نحو تجديد المواجهة العسكرية مع إيران، باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأبرز لإسرائيل، يركز ترمب على هدف مختلف: الضغط على نتنياهو للمضي قدمًا في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية أوسع.
من منظور نتنياهو، تظل إيران حجر الزاوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. وتشير تقديرات استخبارية إسرائيلية حديثة إلى أن طهران تعمل بوتيرة متسارعة على إعادة ترميم قدراتها العسكرية التي تضررت خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك البنية التحتية للصواريخ وتطوير وسائل الردع، إلى جانب تعزيز نفوذ حلفائها الإقليميين. ويعتقد نتنياهو أن تأجيل المواجهة يمنح إيران وقتًا إضافيًا لإعادة بناء قوتها، ما يرفع كلفة أي تحرك عسكري مستقبلي.
في المقابل، يتبنى ترمب مقاربة أكثر حذرًا تجاه الانخراط في صراع جديد في الشرق الأوسط. فالرئيس الأميركي، الذي يحرص على تقديم نفسه كصانع صفقات لا كقائد حروب مفتوحة، يدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران قد تترتب عليها تداعيات سياسية واقتصادية واسعة، ليس فقط على المنطقة، بل على المصالح الأميركية العالمية. من هذا المنطلق، يرى ترمب أن الحفاظ على مسار التهدئة في غزة يمثل أولوية آنية.
وتكتسب المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة أهمية خاصة، إذ تتجاوز مجرد تبادل الأسرى والرهائن الذي طبع المرحلة الأولى، لتشمل وقفًا أكثر استدامة للعمليات العسكرية، وتوسيع إدخال المساعدات الإنسانية، وفتح نقاشات أولية حول مستقبل إدارة القطاع بعد الحرب. وتعتقد إدارة ترمب أن تحقيق تقدم في هذه المرحلة يشكل شرطًا أساسيًا لإعادة إطلاق مسارات دبلوماسية أوسع في المنطقة، بما في ذلك مشاريع التطبيع الإقليمي، التي ستتضرر بشدة في حال اندلاع حرب مع إيران.
هذا التباين يضع نتنياهو أمام معادلة سياسية داخلية معقدة. فحكومته تعتمد على تحالف هش يضم قوى يمينية متطرفة ترفض أي تنازلات في ملف غزة، وتدفع باتجاه تصعيد دائم مع إيران. كما أن توظيف التهديدات الخارجية لطالما شكّل أداة سياسية لنتنياهو لصرف الأنظار عن أزمات داخلية، من بينها الانتقادات الواسعة لإدارته للحرب، والضغوط القضائية والشعبية المتراكمة.
في المقابل، يمتلك ترمب أدوات ضغط فعالة على الحكومة الإسرائيلية. فالولايات المتحدة لا تزال الداعم العسكري والدبلوماسي الأهم لإسرائيل، ويمكن لترمب أن يلوّح بتقليص الغطاء السياسي، أو إبطاء إمدادات السلاح، أو حتى توجيه رسائل علنية تعكس نفاد صبر واشنطن من استمرار الحرب في غزة. كما أن الطابع الشخصي وغير الرسمي للاجتماع في مار-آ-لاغو يمنح ترمب هامشًا أوسع لطرح مطالب مباشرة دون الالتزام بالقوالب الدبلوماسية التقليدية.
وتلعب الحسابات الإقليمية دورًا إضافيًا في موقف ترمب. فالدول الخليجية، رغم عدائها لإيران، لا ترغب في حرب شاملة تهدد استقرار أسواق الطاقة واقتصاداتها. كما تضغط مصر وقطر، وهما الوسيطان الرئيسيان في ملف غزة، على واشنطن للحيلولة دون أي تصعيد قد ينسف جهود التهدئة. بالنسبة لترمب، فإن دفع إسرائيل نحو استكمال وقف إطلاق النار يتماشى مع مصالح شركاء إقليميين يعوّل عليهم في ملفات متعددة.
وعليه، من غير المتوقع أن يشهد اللقاء قطيعة علنية، لكنه قد يكشف عن إعادة ترتيب للأولويات. فنتنياهو قد يسعى للحصول على ضمانات أميركية بمواصلة احتواء إيران عبر العقوبات والعمل الاستخباري والردع الإقليمي، دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة في الوقت الراهن. في المقابل، سيحاول ترمب تأطير التقدم في غزة كضرورة إستراتيجية لمنع حرب أوسع، وليس كتنازل سياسي.
في المحصلة، يعكس لقاء مار-آ-لاغو صراعًا أعمق بين منطق التصعيد ومنطق الاحتواء. وستكون قدرة نتنياهو على التوفيق بين مطالبه تجاه إيران وضغوط واشنطن بشأن غزة اختبارًا حقيقيًا لمتانة التحالف الأميركي–الإسرائيلي في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
ويكشف هذا التباين بين نتنياهو وترمب عن فجوة متزايدة بين الحسابات الأمنية الإسرائيلية الضيقة والرؤية الأميركية الأوسع للاستقرار الإقليمي. فبينما ترى إسرائيل في القوة العسكرية أداة وقائية دائمة، باتت واشنطن أكثر إدراكًا لكلفة الحروب المفتوحة سياسيًا واقتصاديًا. ويعكس هذا التحول إدراكًا أميركيًا متزايدًا بأن إدارة الأزمات، لا تفجيرها، باتت شرطًا للحفاظ على النفوذ.
في المقابل، يبرز السؤال حول مدى قدرة نتنياهو على المناورة دون الاصطدام بواقعه الداخلي. فالتجاوب مع الضغوط الأميركية في ملف غزة قد يهدد تماسك حكومته، بينما تجاهلها قد يعرّض علاقته مع واشنطن لأخطر اختبار منذ سنوات. هذه المعضلة توضح أن الأزمة لم تعد محصورة في السياسة الخارجية، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لأزمة حكم داخل إسرائيل نفسها.





شارك برأيك
ترمب ونتنياهو عند مفترق طرق: تصعيد محتمل مع إيران مقابل تثبيت هدنة غزة