تشكل القدس اليوم نموذجاً صارخاً للمدينة المحتلة، حيث يستخدم الاحتلال المواقع الجغرافية والأمنية لضبط الحركة الفلسطينية وقطع التواصل الطبيعي مع محيط المدينة. ويعكس الواقع الراهن عمق الهيمنة الإسرائيلية ليس على المستوى السياسي فحسب، بل في تفاصيل الحياة اليومية والبنية الحضرية والاجتماعية للمقدسيين.
تكشف الجولات الأمنية التي ينظمها ما يُسمّى بـ "منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي"، والذي تديره حركة "هابيثونتسيم" الصهيونية، لأفراد الجالية اليهودية الناطقة بالإنجليزية في "إسرائيل"، استراتيجية السيطرة الإسرائيلية على القدس.
تضم حركة "هابيثونتسيم" – والتي تعني بالعربية خبراء الأمن أو متخصصو الأمن – نحو 3000 ضابط احتياطي وعنصر عمليات من الجيش الإسرائيلي والموساد والشاباك والشرطة، ويعكس اسم الحركة طبيعة عملها المرتبط بالخطط الأمنية والاستخباراتية والاستراتيجية. وتركز الحركة على تشكيل خطاب الأمن القومي الإسرائيلي تجاه المدينة، من خلال عرض كيفية استخدام المواقع الاستراتيجية لضبط حركة الفلسطينيين وعزلهم عن محيطهم الحضري.
في جولاتها الأخيرة، ركّزت الحركة على أبرز المواقع الاستراتيجية التي تعكس واقع السيطرة الإسرائيلية:
• وادي أيالون: يشكل البوابة الرئيسية إلى القدس، وقد سيطرت عليه جميع جيوش الاحتلال عبر التاريخ، من الصليبيين إلى البريطانيين، مروراً بأحداث نكبة 1948 وهزيمة 1967. وتمنع السيطرة على هذا الوادي الحركة الفلسطينية الحرة نحو العاصمة، وتتحكم بالطرق المؤدية إليها.
• مقام النبي صموئيل: نقطة مراقبة استراتيجية تسمح بالتحكم في الطرق الضيقة المؤدية إلى القدس، ويظهر كيف تُوظف الجغرافيا كأداة للتحكم بحركة الفلسطينيين.
• جبل المشارف (جبل سكوبوس): يطل على مناطق E1 والمجتمعات المحيطة بالقدس من الشمال والشرق، ويُستخدم المرتفع لمنع التواصل الفلسطيني بين الأحياء والمدن المحيطة، بما يؤثر مباشرة على مستقبل المدينة.
• ساحة تساهال: جزء من خط تقسيم المدينة، وتجعل واقع الانقسام في القدس ملموساً أمام الزائر، وليس مجرد فكرة نظرية.
• المواقع الدينية والمستوطنات: تشمل تكثيف التواجد الاسرائيلي منطقة قبر راحيل/ مسجد بلال بن رباح، إلى جانب توسيع المستوطنات مثل "هار حوما" المقامة على جبل أبو غنيم و"جفعات هاماتوس"، بهدف فرض حواجز عمرانية تمنع أي امتداد حضري فلسطيني متصل من بيت لحم إلى الأحياء العربية في القدس.
يوضح هذا التركيز المتعمد على المواقع الاستراتيجية كيف تُدمج السيطرة الأمنية والجغرافية مع الاستيطان في إطار سياسة احتلالية ممنهجة تهدف إلى فرض الهيمنة الإسرائيلية على مدينة القدس. فهذه السياسات لا تكتفي بعزل الأحياء الفلسطينية عن بعضها وقطع التواصل الطبيعي بين القدس ومحيطها العربي، بل تعمل على إعادة تشكيل البنية الحضرية والاجتماعية للمدينة على نحو يجعل الاحتلال حاضراً في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمقدسيين. ومع تصاعد الحواجز والبوابات الحديدية، وتضييق الحركة، وتطويق الأحياء بالمستوطنات، يتحول هذا الواقع إلى أداة ضغط مستمرة تهدف إلى إنهاك السكان الفلسطينيين ودفعهم قسراً إلى مغادرة المدينة، في سياق أوسع يسعى إلى تفريغ القدس من سكانها الأصليين وتغيير تركيبتها الديمغرافية لصالح المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
في ظل استمرار سياسات الاحتلال، تظل الحاجة ملحة لتحرك فلسطيني ودولي فاعل لحماية القدس والحفاظ على هويتها. فعلى المستوى الفلسطيني، ينبغي تعزيز الوحدة الوطنية والمجتمعية من أجل تفعيل المواجهة على الأرض وتثبيت صمود المقدسيين في المدينة، بما يشمل تطوير خطط حضرية ودراسات توثيقية لرصد الانتهاكات المستمرة، خصوصاً في المواقع الحساسة مثل قبر راحيل/مسجد بلال بن رباح، الذي أكدت قرارات اليونسكو أنه جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن القدس مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر. كما تبرز الحاجة إلى تخصيص صناديق طوارئ حكومية لدعم المقدسيين وتوفير الحد الأدنى من الحماية المادية والمعنوية لسكان المدينة، من خلال تقديم مساعدات عاجلة للعائلات المتضررة، وتمويل مشاريع حضرية ومجتمعية وتعليمية تحافظ على الهوية الفلسطينية، وتخفف من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها الاحتلال، بما يعزز قدرة المقدسيين على الصمود ومواجهة محاولات التهجير وفرض الهيمنة الإسرائيلية.
يمكن استثمار ما تنشره جولات المنتدى الأمني على المنصات الإسرائيلية كأدلة موثقة لكشف الاستيطان والسيطرة على المواقع الفلسطينية، ومن ثم فضح هذه السياسات أمام الرأي العام الدولي والمجتمع الحقوقي. كما يمكن استخدام هذه المواد لتفعيل حملات الضغط السياسي والقانوني على الاحتلال الاسرائيلي، بما يشمل تقديم شكاوى للمحافل الدولية، ومطالبة الهيئات الحقوقية والمنظمات الأممية بالتحقيق والمساءلة.
يتوجّب على المجتمع الدولي والهيئات الحقوقية بذل جهود عملية للحد من الاستيطان ورفع العقبات التي تعيق التواصل الفلسطيني الطبيعي داخل القدس وخارجها، مع التأكيد على أهمية الالتزام بقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمدينة وحقوق الفلسطينيين في أرضهم وتراثهم الثقافي والديني. ويُعد أي تحرك فلسطيني وعربي واسلامي ودولي منسّق خطوة مهمة نحو الحد من سياسات التهويد، والمساهمة في حماية القدس كموقع حضاري وديني وإنساني، مع العمل على توثيق الانتهاكات ومساءلة الاحتلال على ما يمارسه من سياسات تمس السكان الفلسطينيين والهوية التاريخية للمدينة.
أقلام وأراء
الخميس 18 ديسمبر 2025 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
جولات الحركات الصهيونية تكشف الواقع الاستراتيجي والاحتلالي لمدينة القدس