يشهد القرنُ الحالي حركةً علميةً نشطةً في مجال تطوير المناهج الدراسية، نتيجةَ التطورات العلمية والتغيّرات المتسارعة التي يشهدها هذا العصر المتعلقة بالعملية التعليمية التعلمية، والتي أثّرت بشكل مباشر على مناهج التعليم، مما جعل جميعَ دول العالم تعمل على تطوير المناهج بما يتلاءم مع هذه التطورات المتسارعة في كافة المجالات، وعلى الأخص المجال المعرفي والتكنولوجي كما حصل في جائحة كورونا التي اصابت العلمية التعلمية في الصميم، مما انعكس بشكل لافت على التعامل مع المناهج خاصة دول العالم الثالث والتي نحن جزءا لا يتجزأ منها. لذلك، لا بد من التفكير بشكل جدي تخطي مثل هذه العقبات وضرورة الاسراع في ابتكار منهاج عصري وحديث يأخذ بعين الاعتبار التحديات الجسام الماثلة امامنا والظروف الطارئة التي اثرت على المنهاج، تستوجب علينا ضرورة التحرك العاجل لإقرار منهاج يتم التخطيط له وتنفيذه وتطويره ضمن فلسفة تربوية شاملة تراعي الخطوط العريضة للمنهاج، بحيث لا تتعارض هذه الفلسفة مع القيم والمعايير والمرتكزات الاساسية في المجتمع والدولة والحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية، بل تكون داعم رئيسي واساسي لعملية بناء المنهاج من خلال تبني رؤية مستقبلية شاملة لما يجب ان يكون علية المنهاج. لذلك، ومن اجل الوصول الى الهدف المنشود ومجاراة التقدم الحاصل في مجال اعداد المناهج، لا بد من العمل بعناية ودقه فائقة لوضع خطة لتطوير، وتنفيذ، وضبط المنهاج وتبني استراتيجية عملية لتنفيذه، تتصف بالمرونة والشمول، وتوضح كيفية التعامل معه من كافة القطاعات التعليمية والادارات المركزية في الدولة وتبني استراتيجية لهاعلاقة بطبيعة تطوير المنهج وتطويره وتنفيذه.
وبالتالي، عندما نتحدث عن تطوير المنهاج، فإننا نخص بالذكر كل ما يتعلق بالعملية التعليمية، حيث يكون الهدف من التطوير هو تحسين المنهاج او تعديله او الاضافة عليه او الحذف منه، للوصول به الى افضل صوره يحقق من خلالها الاهداف المحددة او اهداف جديدة. وهذا التطوير يشمل كل ما له علاقة بالمنهاج (المقررات والاهداف والطرق والوسائل واسلوب التقويم والانشطة) وكذلك الاجهزة الالكترونية والمنصات التعليمية والمخططين والخبراء والمعلمين والقائمين على اعداد المنهاج، وكذلك، المشرفين والمنفذين والنظام المدرسي والادارة والادوار المناطة بكل من يساهم ويشارك في عملية التطوير وانعكاس ذلك على البيئة التعليمية من الناحية النفسية، والاجتماعية، والوجدانية، وانعكاس ذلك على المجتمع المحلي وعلى الطلاب و اولياء امورهم.
ان تطوير المنهاج يتطلب مجموعة اجراءات يجب القيام بها تتعلق بتطوير كامل وشامل في كل ما يتعلق بالعملية التعليمية، بحيث تشمل عمليةالتطوير المؤسسات التربوية الموجودة في الدولة من الكتاب المدرسي، والطالب، بحيث تراعي عملية التطوير والتحسين رغبات واحتياجات الطالب، واحتياجات المجتمع والتركيز على الجوانب المعرفية التي تتعلق في مهارات التفكير وتنمية شخصية الطالب من كل الجوانب، النفسية، والاجتماعية والوجدانية. كذلك يجب الرجوع الى مراكز الابحاث والجامعات وافراد مساحة لنتائج الابحاث والدراسات التي تهتم بموضوع التطوير والاستفادة منها، حيث ان الدور التي تقوم به هذه المؤسسات يعتبر خارطة طريق تمهد الى اعتماد منهاج كامل متكامل يركز ليس فقط على الجانب الاكاديمي فقط، وانما يركز على الجوانب المهنية كذلك، لأننا في المحصلة كمجتمع ومطوري مناهج، نحتاج الى خريجين يقدموا خدمات في جميع المجالات. لان عملية التطوير يجب ان تستند الى الفلسفة التربوية التي تنسجم مع الاهداف والغرض من التطوير. لذلك، لا بد من تشجيع التخصصات المهنية التي تساعد في بناء المجتمع وتحقيق تطلعاته المستقبلية ومواكبة المناهج العالمية ومجاراة الدول الصناعية المتقدمة، لان الهدف من عملية التطوير والتحسين يجب ان تصب في تحقيق الطموحات الشخصية والوطنية من خلال اعداد جيل مدرب ومؤهل فكريا وعلميا ومهنيا، قادر على الابداع والابتكار في مجالات تكنولوجيا التعليم ، والقدرة على الاتصال والتواصل مع العالم الخارجي وتحقيق انجازات على مستوى العالم، لان قضية اعداد منهاج وتطويره ليس بالأمر السهل، بل يعتبر من اخطر واهم القضايا التي يجب على الدولة ان تعمل على انجازاها، استنادا الى الخطوط العريضة للمنهاج، حيث ان المنهاج يمثل الدولة، لذلك يجب العمل بشكل حثيث على تعزيز مفهوم الابداع والتفوق في اعداد المنهاج.
وبناء على ذلك، يجب تبني استراتيجية تشارك فيها كافه شرائح المجتمع وكل من يعمل في قطاع التربية والتعليم، ممثلة بوزارة التربية والتعليم وادارة المناهج، ومن مطورين ومثقفين وخبراء مناهج، من اجل الارتقاء بالمناهج وبناء وصناعة مناهج تهتم بكل التفاصيل بغية الوصول الى الاهداف المنشودة والنهوض بالواقع التربوي للمنهاج.
اما فيما يتعلق بالظروف الطارئة، كما حصل فيموضوع كورونا واثره على العلمية التعليمية، فان طريقة تعامل القائمين على المنهاج من خلال حذف جزء من المحتوى الدراسي، يدل على اعداد منهاج غير متكامل وغير مترابط، ولا يوجد علاقات بين وحداته سواء كانت رأسية او افقية او تشاركية، والدليل على ذلك، يكمن فيما لو تم اقتطاع أي وحدة من الكتاب، فإنها لا تؤثر على مكوناته. فعملية الحذف، يجب ان ترتبط ببقية المناهج الاخرى في تفس المرحلة والصف الدراسي، لان الهدف يكمن في الحصول على نواتج تعليمية كاملة في هذه المرحلة اضافة الى نتاجات كل منهاج لكل مقرر دراسي. بمعنى اخر، يجب ان يكون هناك منهاج بديل او خطة بديلة، يمكن اعتمادها في الحالات الطارئة كالحروب والامراض كما هو الحال في موضوع كورونا وانعكاساته السلبية على كافة مناحي الحياة. لذلك يجب ربط السابق في اللاحق فيما يتعلق بالمحتوى التعليمي وتعزيز المفاهيم والبناء عليها وتوضيحها بالأمثلة والانشطة والصور والمعينات السمعية والبصرية، وحذف التكرار والتداخل الموجود بين والوحدات وتنظيم عرض المحتوى التعليمي، بحيث يراعى الفروق الفردية والنفسية والاجتماعية وصهرها في بوتقة واحدة تهدف الى خلق جيل قادر على تحمل المسؤولية الشخصية والمجتمعية في ان واحد، مع عدم اغفال الجوانب القيمية والتوعوية وعدم تعارض تلك القيم لتوجهات وطموح الدولة والمجتمع.
والسؤال المطروح دائما لماذا تقدمت الدول الصناعية في صناعة مناهج عصرية وحديثة تلبي حاجات المجتمع في كافة المجالات التكنولوجية والتربوية والمهنية مثل الصين، واليابان، وفنلدا، وفرنسا وغيرهم. حيث لا يوجد عاطل عن العمل في تلك الدول نتيجة التكامل في التفكير والتوجهات المستقبلية لتلك الدول، حيث استطاعت وضع خطط سنوية او خمسية، للنهوض بواقع مناهجها. لكن في المقابل، تجد المشهد التربوي في دول العالم الثالث بقي على حاله. ان التركيز على مناهج تتصف بالجمود وعدم التجديد في المنهجية والطريقة لا تفضي الى التقدم والنهوض بواقع المناهج الحالية. لذلك لا بد من الخروج من دهاليز المناهج التقليدية وقولبة تلك المناهج، بحيث تركز على بناء الشخصية القيادية، القادرة على اخذ زمام المبادرة والمبادأة، والتحرر من الانغلاق التربوي، والانعتاق نحو التكامل والشمول وتبني فكر تربوي يحرص على ابقاء الديمومة لمناهج قابلة للحياة،وتواكب كل ما هو عصري وحديث، ومراجعة وضبط العملية التربوية، كي تكون انموذج تعكس جودة تلك المناهج، والتي تشكل رافعة تربوية تنهض بالمناهج على المستوى المحلي والوطني والدولي. ولتحقيق ذلك، لا بد من تبني نظره ثاقبة، ذات رؤية شاملة تعمل على تجذير بناء مناهج تأخذ بعين الاعتبار رأي أصحاب الاختصاص من اجل النهوض بالقطاع التعليمي والتربوي بشكل متوازي، مع اعطاء مساحة كاملة لمطوري ومنفذي المناهج من عرض تصورهم الحالي والمستقبلي من اجل الارتقاء بالواقع التعليمي ومواكبة المستجدات على هذا الصعيد.
من هنا لا بد من تبني استراتيجية مركزية في تخطيط المناهج والاتفاق على المبادئ والأسس التي تقوم عليها الفلسفة التربوية في عملية التطوير وتحسين المناهج، وكذلك اعتماد اللامركزية في تنفيذ المنهاج، بمعني يجب على الادارات المركزية اعطاء الصلاحيات للإدارات الوسطى والدنيا والادارات المدرسية والمعلمين والمشرفين التربويين من ممارسة دورهم على اكمل وجهة، وتفويض الصلاحيات الكاملة لهم، من اجل القيام بدورهم خدمة للمنهاج وللمسيرة التعلمية، ولتحقيق تطلعات المجتمع والدولة، وتحقيق رغبات الطلاب واحتياجاتهم انسجاما مع الخطوط العريضة والفلسفة التربوية، كذلك يمكن تبني استخراجية تشاركية، بمعنى ما لم تحققه الاستراتيجية المركزية تحققه الاستراتيجية اللامركزية او الجمع بينهما في تكامل راسي افقي يضمن التكامل والشمول في تطوير وتنفيذ المنهاج.
——————————————————————
يجب تبني استراتيجية تشارك فيها كافه شرائح المجتمع وكل من يعمل في قطاع التربية والتعليم، ممثلة بوزارة التربية والتعليم وادارة المناهج، ومن مطورين ومثقفين وخبراء مناهج، من اجل الارتقاء بالمناهج وبناء وصناعة مناهج تهتم بكل التفاصيل بغية الوصول الى الاهداف المنشودة والنهوض بالواقع التربوي للمنهاج





شارك برأيك
تطوير المناهج واستراتيجيات تنفيذها