أقلام وأراء

الخميس 11 ديسمبر 2025 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

الانقسام الفلسطيني: من المؤقت إلى الدائم

قبل خمسة عشَر عاماً، وتحديداً في الثالث من حزيران/ يونيو عام ألفين وعشرة، نشرت في صحيفة القدس مقالة بعنوان "المصالحة الفلسطينية.. حواجز ومعيقات"   تناولت فيها واقع الانقسام الفلسطيني آنذاك، ورسمت فيها ملامح مشهد سوداوي قاتم لمستقبل الوحدة الفلسطينية، إذ خلصت في ختام المقال إلى أن المصالحة تعبر نفقاً طويلاً ومظلماً، تتراكم فيه الحواجز والمعيقات، ما يجعل معه تحقيق الوحدة صعب المنال. كانت تلك المقالة محاولة متواضعة مني لتشكيل إطار نظريّ يستند إلى دراسة أنماط وتجارب الانقسامات السابقة حول العالم، ومن ثم توظيف هذا الإطار في تفسير الظواهر المشابهة، أو التنبؤ بمساراتها المحتملة في سياقات أخرى، وبالتحديد في السياق الفلسطيني. وقد أطلقت على هذا الإطار "الحتمية التاريخية للانقسامات"
خلصت من تلك المراجعة إلى أن هناك نمطين رئيسَيْن من الانقسامات حول العالم: أما النمط الأول فهو "الانقسام الدائم" الذي يفضي إلى نشوء نظامين سياسيين منفصلين غالبًا ما تسود بينهما علاقات عداء أو توتر مستمر، كما هي الحال بين الهند وباكستان وبين التشيك والسلوفاك وبين قبرص التركية واليونانية وبين كوريا الشمالية والجنوبية. أما النمط الثاني فهو "الانقسام المؤقت" والذي ينتهي بوحدة بعد عقود من الانفصال قد تمتد إلى أكثر من ثلاثة، غالبًا ما تحدث تلك الوحدة بفعل تحولات جيوسياسية تعيد صياغة موازين القوى وأولويات الأطراف المتنازعة، كما تجلى ذلك في وحدة ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية عقب انهيار الاتحاد السوفيتيّ.
كما خلصت من تلك المراجعة إلى أن الانقسامات، في الغالب، تتعمق بفعل عاملين رئيسين: الأول، تعارض المصالح السياسية بين الأطراف المتنازعة سواء الداخلية أو الخارجية، فعلى سبيل المثال: أسهم تضارب المصالح بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب تضارب مصالح الأطراف الداخلية في ترسيخ الانقسام وإطالة أمده في شبه الجزيرة الكورية. أما العامل الثاني فهو النزعة الدينية أو القومية بين أطراف النزاع، كما هي الحال بين المسلمين والهندوس في باكستان والهند، أو بين المسلمين والمسيحيين في قبرص التركية وقبرص اليونانية، وهي عوامل تعمق الشقاق وتصعب فرص الوحدة.
وبإسقاط هذه القراءات على الحالة الفلسطينية يتضح أن تضارب المصالح بين الأطراف المتنازعة شكل العامل الأبرز في تعميق الانقسام الفلسطيني واستمراره، في حين لا يبدو أن العوامل الدينية أو القومية قد أدّت دوراً يذكر في ذلك. غير أن ما يميز الانقسام الفلسطيني عن غيره هو العامل الجغرافي، إذ يترافق هذا الانقسام مع فصل مكاني حاد بين الضفة الغربية وقطاع عزة، ما أضفى عليه طابعاً أكثر تعقيداً واستعصاءً على الحل. وبناءً على ما تقدم، خلَصت في حينه إلى أنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، أي في حال انطبق نمط الانقسامات المؤقتة على الحالة الفلسطينية، فإن الوحدة بين الضفة وغزة ربما تحتاج لعقد أو عقدين الأقل قبل أن تتحقق.
أذكر أن المقالة نشرت بعد أيام قليلة من الاعتداء الإسرائيلي على السفينة التركية "مرمرة" أحد سفن أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة، حيث استشهد تسعة ناشطين أتراك وجرح ستة وخمسون آخرون. آنذاك سادت أجواء من التفاؤل في المشهد السياسي الفلسطيني، إذ رأى كثيرون أن ما جرى قد يشكّل حافزاً حقيقاً للمصالحة الوطنية. وتحتَ تأثير الحراك الشعبي المتصاعد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، عقدت الفصائل سلسلة من اللقاءات في دمشق في محاولة لإعادة إحياء مسار المصالحة ووضع حد للانقسام الداخلي.
على الرغم من الأجواء الإيجابية التي سادت آنذاك، ظللتُ متشائماً إزاء مستقبل الوحدة الفلسطينية. فقد كنت أرى، في ذلك الوقت، أنه لا مصالحة تلوح في الأفق، على الأقل خلال العقد التالي. وكنت أميل إلى أن نمط الانقسام الفلسطيني هو أقرب إلى النمط الثاني الذي ينتهي في نهاية المطاف بوحدة بين المتخاصمين. اليوم، وبعد مضي ما يقارب عشرين عاما على الانقسام الفلسطينيّ، بت معتقداً وأكثر من أي وقت مضى، أن الانقسام الفلسطيني بات أقرب إلى النمط الأول من الانقسامات، أي الانقسام الدائم. فإذا كانت دماء سبعين ألف شهيد فلسطيني في غزة، عاجزة عن أن تكون حافزاً نحو المصالحة، فلا أظن أن ثمة شيئاً آخر قادر على القيام بذلك.

دلالات

شارك برأيك

الانقسام الفلسطيني: من المؤقت إلى الدائم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.