عربي ودولي

الثّلاثاء 09 ديسمبر 2025 4:35 مساءً - بتوقيت القدس

مذكرة مسرّبة تكشف خطة موسّعة لدى وزارة العدل لإنشاء قائمة أميركية جديدة لـ"المتطرفين" المحليين

واشنطن –"القدس" دوت كوم- سعيد عريقات 

في تطور أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والسياسية في الولايات المتحدة، كشفت مذكرة مسرّبة من وزارة العدل – نُشرت حصريًا عبر موقع الصحفي الاستقصائي كين كليبنشتاين – أن المدعية العامة بام بوندي أمرت مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بإعداد قائمة موسّعة تضم أفرادًا وكيانات تُعتبر وفق التصنيف الجديد “متورطة في أعمال قد تُشكل إرهابًا محليًا”. وتكشف الوثيقة عن توجه غير مسبوق للحكومة الفيدرالية نحو رصد منهجي للآراء والمواقف السياسية، وليس فقط الأفعال الجنائية.

وبحسب المذكرة، فإن الجهات المستهدفة تمتد لتشمل كل من يُعبر عن "معارضة تطبيق القانون والهجرة"، أو "الآراء المؤيدة للهجرة الجماعية والحدود المفتوحة"، إضافة إلى "أيديولوجية النوع الاجتماعي الراديكالية"، مرورًا بمن يُصنفون تحت فئات "معاداة أمريكا" و"معاداة الرأسمالية" و"معاداة المسيحية". ويخشى خبراء أن تُستخدم هذه المصطلحات الفضفاضة لتوسيع نطاق الملاحقة ليشمل مجموعات مدنية وطلابية، خاصة تلك الداعمة للحقوق الفلسطينية أو المنتقدة للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وكذلك الأصوات المطالبة بوقف توريد الأسلحة إلى إسرائيل.

وتتشابه لغة المذكرة بشكل لافت مع ما ورد في مذكرة الأمن القومي الرئاسية رقم 7 (NSPM-7)، التي أصدرها الرئيس دونالد ترمب، والتي وُصفت حينها بأنها إعلان مواجهة مفتوحة مع كل من لا ينسجم مع الخط السياسي الداعم لشعار "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى". لكن الوثيقة الجديدة، وفق مراقبين، تمثل الجانب التنفيذي لهذه الرؤية، وتحولها إلى خطة عملية مُلزمة للأجهزة الفيدرالية، بما يجعلها القاعدة التنظيمية لحرب داخلية جديدة على "التهديدات المحلية".

وتتضمن المذكرة توجيهًا واضحًا لـFBI بتعزيز قدرات خط الإبلاغ الهاتفي الخاص به، في خطوة تهدف إلى جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات من المواطنين حول مواطنين آخرين. كما تُلزم بوندي المكتب بإنشاء "برنامج مكافآت نقدية" لمن يقدم معلومات تؤدي إلى تحديد واعتقال قادة المجموعات المصنفة كـ"منظمات إرهابية محلية"، إضافة إلى خلق "شبكة من المتعاونين" لتوفير معلومات وشهادات ضد أفراد آخرين داخل المنظمات ذاتها. ويؤكد خبراء قانونيون أن هذه الخطوة، في حال تطبيقها، ستفتح الباب أمام موجة واسعة من البلاغات الكيدية والإبلاغ بدوافع سياسية.

ولم تتوقف الإجراءات عند مستوى المعلومات. إذ تكشف المذكرة، بحسب موقع كليبنشتاين،  أن منح وزارة العدل ستُعاد هيكلتها بحيث تُعطي الأولوية لبرامج إنفاذ القانون على مستوى الولايات والبلديات التي تُركز على مكافحة "الإرهاب المحلي"، ما يعني توجيه ملايين الدولارات لدعم ممارسات رقابية وتتبعية قد تمتد إلى الجامعات والمنظمات الطلابية ومؤسسات المجتمع المدني.

وفي القسم الخاص بـ"تعريف التهديد"، تُعدد المذكرة جملة من المؤشرات التي يجب على الأجهزة الفيدرالية رفعها مباشرة إلى فرق العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب (JTTFs)، وتشمل "وجهات نظر متطرفة حول الهجرة" و"أيديولوجية النوع الاجتماعي الراديكالية" و"المشاعر المعادية لأمريكا". وتوجّه الوثيقة هذه الفرق إلى استخدام “جميع أدوات التحقيق المتاحة” لرسم "خريطة كاملة لشبكات الفاعلين"، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، وإعادة دراسة الحوادث التي وقعت خلال السنوات الخمس الماضية بأثر رجعي.

ورغم أن مذكرة الأمن القومي رقم 7 أثارت تحذيرات واسعة عند صدورها في سبتمبر/أيلول الماضي، إلا أن معظم وسائل الإعلام الأميركية خففت من أهميتها واعتبرتها مجرد تصعيد لفظي من إدارة ترمب. غير أن الوثيقة المسرّبة اليوم تؤكد، بحسب مراقبين، أن الإدارة تسير في اتجاه تفعيلها الكامل، خاصة في ظل المناخ السياسي المشحون الذي تلا مقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك، والذي اعتبرته الإدارة حدثًا بحجم "11 سبتمبر" داخلي على حد وصف مسؤولين فيها.

ويرى خبراء الحريات المدنية أن الولايات المتحدة تقف أمام ملامح "حرب جديدة على الإرهاب"، ولكنها هذه المرة حرب موجهة نحو الداخل، وقد تطال ملايين المواطنين الذين يحملون آراء معارضة أو ينتقدون سياسات الدولة أو يعبرون عن مواقف سياسية مخالفة للتيار المحافظ الحاكم.

وتكشف المذكرة عن تحول جوهري في مفهوم "الإرهاب المحلي"، إذ لم يعد مقتصرًا على العنف المنظم أو التخطيط له، بل أصبح يشمل طيفًا واسعًا من الآراء السياسية والاجتماعية التي تُعتبر – من وجهة نظر السلطة – تهديدًا للمنظومة القائمة. هذا التوسع في التعريف يحمل مخاطر حقيقية، لأنه يحول أجهزة إنفاذ القانون من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لتقييد المعارضة.

ويشير تحميل المواطنين مسؤولية الإبلاغ عن بعضهم البعض، إلى جانب نظام المكافآت المقترح، إلى نموذج رقابي شبيه بما شهدته دول في حقب استثنائية من التاريخ. ومع إعادة فتح ملفات السنوات الخمس الماضية، قد يجد آلاف الأميركيين أنفسهم تحت تحقيقات مبنية على منشورات قديمة أو مواقف سياسية معلنة، ما يسهم في خلق مناخ ترهيب وصمت عام، ويعيد رسم حدود حرية التعبير في الولايات المتحدة.

دلالات

شارك برأيك

مذكرة مسرّبة تكشف خطة موسّعة لدى وزارة العدل لإنشاء قائمة أميركية جديدة لـ"المتطرفين" المحليين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.