أقلام وأراء

الأربعاء 03 ديسمبر 2025 7:43 صباحًا - بتوقيت القدس

حكايات تحت الشتاء في غزة

غزة تدخل الشتاء كما لو أنها تدخل كارثة جديدة تولد من رحم كارثة ، فالسماء التي كانت يومًا تمنح الناس بركتها صارت تهطل بفيض من الماء فوق خيام هشة لا تملك من الحماية إلا اسمها، وخلف جدران النايلون الرقيق يكمن برد يشبه السكاكين يقطع أجساد الأطفال قبل أن يصل إلى ملابسهم المبتلة، وحين تغرق الأرض بالطين يختلط الماء بالدمع ويصبح الشتاء عدوًا آخر يضاف إلى ما صنعته الحرب من خراب وموت وجوع.

يمشي النازحون فوق قطرات المطر التي تحولت إلى بحيرات صغيرة حول المخيمات، يتنقلون فوق ألواح خشبية مكسورة كي لا يسقطوا في البرك التي تحاصرهم من كل الجهات، ويجلس كبار السن تحت سقف خيمة يظنون أنها ستصمد فيكتشفون بعد دقائق أنها تستسلم لأول هبة ريح فينهار ما تبقى من دفء في قلوبهم، بينما تفترش النساء الأرض المحاصرة بالماء يحاولن إشعال نار خجولة لا تشعل سوى الألم لأن الحطب قليل والبرد كثير والسماء لا تكف عن البكاء.

لم يعد الجوع ضيفًا عابرًا على غزة بل صار مقيمًا دائمًا يهدد كل بيت وكل خيمة وكل روح، لا يصل الطعام إلى المخيمات كما يجب وتبقى العائلات أيامًا دون أن ترى رغيفًا كاملًا أو كيسًا من الدقيق، فالمجاعة لم تعد كلمة في بيان صحفي بل حقيقة تعيشها الأمهات حين ينظرن إلى أطفالهن ويكتشفن أن أجسادهم صارت نحيلة أكثر مما يجب وأن بكاءهم أصبح شاحبًا وكأن أصواتهم فقدت القدرة على الاحتجاج.

في الليل يصبح المخيم أكثر قسوة حين يتسرب الماء إلى داخل الخيام ويلتصق البرد بالعظام، ويبدأ الأطفال بالبكاء خوفًا من العتمة والمطر والبرد والجوع دفعة واحدة، وتجلس الأمهات قربهم يحاولن أن يكذبن الألم بكلمات دافئة لا تجد سبيلًا إلى صدورهم، بينما ينام الرجال وهم يراقبون سقف الخيمة خشية أن ينشق فجأة فوق رؤوسهم ومع كل هبة ريح يشعرون أن الكارثة تقف على باب الخيمة تبحث عن فرصة للدخول.

وحدها غزة تواصل امتحان الصبر في زمن لا يتبقى فيه شيء من الإنسانية ولا من الضمير العالم يسمع ويرى ويعرف لكنه يتجاهل المشهد كأنه مجرد نشرة طقس في مكان بعيد، بينما هو في الحقيقة فاجعة كاملة تصرخ في وجه الصمت الدولي الذي اعتاد أن يبرر الموت وأن يتعامل مع معاناة الفلسطينيين وكأنها قدر محتوم لا يُسأل عنه أحد.

ورغم كل هذا الانهيار يبقى الضوء الوحيد المتبقي في هذا الظلام هو قدرة الناس على النجاة، على تحمل ما لا يُحتمل وعلى الوقوف فوق الأرض الغارقة، وهم يرفعون الخيمة بأيديهم كي لا تقع يحمون أطفالهم بصدورهم وقلوبهم، ويخوضون معركة يومية مع المطر ومع الجوع ومع الاحتلال ومع العالم الذي أدار ظهره لصرختهم، ومع ذلك يواصلون الحياة لأنهم فقط أبناء غزة شعب يرفض أن ينكسر مهما جرفته السيول ومهما حاصرته المجاعة ومهما حاولت كل هذه الفصول القاسية أن تُطفئ روحه .

هذا الشتاء ليس مجرد موسم في غزة، إنه كشف أخير لحقيقة المأساة كلها، فالحرب لم تنته والمعاناة لم تتوقف، والمطر ليس نعمة حين يسقط فوق خيام بلا جدران ولا أرض ولا أمان، لكنه مع ذلك يزيد من صلابة الغزيين الذين يقفون وسط المياه والطين والجوع، ليقولوا للعالم إنهم ما زالوا هنا، ما زالوا يقاتلون من أجل البقاء ما زالوا يرفضون أن تتحول الخيمة إلى قبر، وأن تصبح المجاعة مصيرًا وأن يكون الشتاء نهاية قصة كتبت بدم ودمع وصمود لا يشبه أي صمود آخر في هذا العالم.

دلالات

شارك برأيك

حكايات تحت الشتاء في غزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.