أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 ديسمبر 2025 6:53 صباحًا - بتوقيت القدس

هذا زمن الوعي لا زمن المناصب

نحن نمر اليوم بمرحلة صعبة جدا كفلسطينيين، مرحلة فيها الكثير من الألم والتشتت، ومع ذلك ما زال الإيمان بالعدالة وبالوطن هو الشيء الوحيد الذي يجعلنا نقف على أقدامنا، الوطن لا يطلب منا شيئا كبيرا، فقط يريد ان نكون مخلصين له وأن نفهم ان فلسطين تحتاج أبناءها بدون مقابل، تماما كما كان يحدث في أيام النضال الأولى عندما كان كل شيء نابعا من القلب ومن المسؤولية وليس من المصالح.

لكن الواقع اليوم مؤلم، جزء من الناس أصبح محطما بسبب الحرب والضغوط والانهيار، وجزء آخر استغل موقعه او منصبه لمصلحة شخصية وكأن الوطن أصبح طريقا للوصول لا طريقا للتحرير، وهذا أكثر شيء يوجعنا لأن هذا ليس ما نحن وليس ما تعلمناه.

وما يزيد خطورة الوضع ان الاحتلال نفسه يعتمد منذ سنوات طويلة على استراتيجية واضحة ان يضرب وحدتنا من الداخل، عندما فشل في كسر إرادتنا بالقوة بدأ يبحث عن طرق أخرى، طرق تقوم على خلق الخلافات بيننا وتشتيت الناس حتى يضعف المجتمع نفسه بنفسه.

وهذه المؤامرات ليست جديدة، الاحتلال استخدم أساليب كثيرة منذ زمن طويل ليضرب النسيج الفلسطيني. منذ فترة الانتداب البريطاني كانت هناك سياسة فرق تسُد حيث كان يتم دعم بعض الشخصيات ضد اخرى واثارة الخلافات بين العائلات وفصل المدن عن القرى، ثم جاء دور زرع العملاء بين الناس ليس فقط لجمع المعلومات بل لإحداث حالة من الشك داخل المجتمع، يكفي ان يشك الناس في بعضهم حتى تبدأ الثقة تضعف وتظهر المشاكل.

كما قام الاحتلال باغتيال الكثير من القيادات الوطنية التي كانت وحدها قادرة على جمع الناس وهذا خلق فراغا كان مقصودا وفي نفس الوقت دعم الاحتلال شخصيات هامشية لتظهر كبديل فقط حتى يحدث انقسام بين القاعدة الشعبية والقيادة.

وترافق هذا مع الضغط الاقتصادي والحصار وسلب الحقوق بهدف واحد ان ينشغل الفلسطيني بمشاكله اليومية لدرجة انه لا يفكر في مشروعه الوطني وهذه الطريقة جعلت المجتمع في حالة إجهاد دائم وسهلت على الاحتلال ان يمرر الكثير من سياساته.

ومع الوقت ومع تطور التكنولوجيا اصبحت هذه المؤامرات اكثر خبثا. اليوم الاحتلال يستخدم الإعلام والحروب النفسية ووسائل التواصل الاجتماعي لينشر الشائعات وليضخم المشاكل الصغيرة وليشوه الرموز الوطنية وليصنع حالة من الفوضى في الوعي الفلسطيني. في أحيان كثيرة نرى خلافا بسيطا يتحول فجأة إلى مشكلة كبيرة لان هناك من يغذيه من بعيد،

وهذا النوع من الحرب أخطر من الحرب العسكرية، الصواريخ تدمر البيوت لكن الحرب النفسية تدمر الناس من الداخل وتجعل الفلسطيني يشك بأخيه وتجعله يبتعد عن ابناء شعبه وتحوله الى فرد معزول يشعر انه وحده في هذا العالم.

لذلك يجب ان نكون أذكى، ويجب ان نفهم ان الاحتلال يلعب على هذه النقطة بالذات، يجب ان نرجع لذاكرتنا ونرى كيف كنا نقف معا بدون اي مصلحة. الانتفاضة الاولى مثال واضح على ذلك، لم يكن هناك مال ولا مناصب كان هناك فقط قناعة مشتركة بان الناس يجب ان تتحد كذلك رأينا في القدس كيف ان التوحد الشعبي كان اقوى من اي قرار سياسي.

نحن اليوم بحاجة ان نستعيد هذا الوعي، بحاجة ان نقف مع غزة ومع الضفة ومع القدس ومع اهلنا في كل مكان، بحاجة ان نترك الخلافات الصغيرة وان نتوقف عن مهاجمة بعضنا وان نفهم ان الاحتلال يحاول جرنا الى صراع داخل البيت الفلسطيني.

الوطن لا يبنى بالكلام ولا بالمزايدات ولا بالمنافسة على المناصب، بل يبنى بالقيم وبالمسؤولية وبالوقوف مع بعضنا في أصعب اللحظات. الاحتلال يعرف ان انتصاره الحقيقي ليس في قوة جيشه، بل في قدرتنا على الاختلاف والانقسام، وهذا هو السلاح الذي يجب ان نسحبه منه فورا.

نحن في مرحلة لا تحتمل اي تردد ولا تحتمل المسافات البعيدة بين الناس، يجب ان نكون قريبين من بعض وان نعيد ترتيب البيت الفلسطيني بطريقة صحيحة. الوعي الجماعي هو آخر ما تبقى لدينا، وإذا خسرناه سنخسر كل شيء.

نحن شعب واحد وعدونا واحد وجرحنا واحد، واذا تماسكنا سيخسر الاحتلال اهم ورقة كان يعتمد عليها طوال سنوات، تفريقنا من الداخل.

دلالات

شارك برأيك

هذا زمن الوعي لا زمن المناصب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.