يأخذ الخلاف بين وزير الحرب الإسرائيلي إسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير بعدًا يتجاوز مجرد نقاش إداري أو اختلاف في التقدير المهني؛ فهو يعكس في جوهره أزمة ثقة عميقة بين المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل، في مرحلة حساسة ما زالت فيها تداعيات السابع من أكتوبر تلقي بظلالها الثقيلة على إسرائيل ومؤسساتها. وقد يبدو غريبًا أن ينشب هذا الصدام بين رجلين لطالما صُنِّفا بأنهما من أكثر الشخصيات ولاءً لبنيامين نتنياهو شخصيًا، لكن المفارقة تكشف عمق الشرخ الذي أحدثته صدمة الهجوم، وفشل المنظومة في توقعه أو منعه أو الاستجابة له في الوقت المناسب.
منذ أن أمر كاتس بمراجعة التحقيق الخارجي الذي أجراه الجنرال المتقاعد سامي ترجمان حول إخفاقات السابع من أكتوبر، بدأ التوتر يأخذ شكلًا أكثر حدّة، إذ رأى زامير في الخطوة محاولة واضحة لتسييس التقرير أو للتشكيك في المهنية التي بُذل فيها جهد استمر شهورًا من جمع شهادات ضباط، ووثائق عملياتية، وتحليل أوجه الخلل الذي ضرب المستويات الاستخباراتية والعملياتية والتنظيمية. وبلغ الأمر ذروته حين أعلن زامير أن التحقيق المراجع ليس ملكًا للسياسة، بل هو وثيقة مهنية أُعدّت كي يستخلص الجيش منها الدروس ويصحّح أخطاءه، بينما يشدد كاتس في المقابل على أن مسؤوليته كوزير أمن تفرض عليه ألّا يسمح بإجراءات قد تظلم ضباطًا أو تحمّل آخرين ما لا يحتملونه أو تتجاوز المستوى السياسي المنتخب.
في هذا المناخ المشحون اندلعت أزمة الإقالات والتجميد؛ إذ اتخذ زامير قرارًا بإقالة مجموعة من كبار الضباط على خلفية إخفاقهم في إدارة وحداتهم عشية الهجوم، في الساعات الثماني والأربعين الأولى، التي خلّفت أعدادًا كبيرة من القتلى والمخطوفين. وقد استند في قراره إلى توصيات لجنة ترجمان التي وصفت أخطاء القيادة الجنوبية والاستخبارات والوحدات التكتيكية بأنها بنيوية وعميقة. ولم يكن رد كاتس أقل حدّة، حين أعلن تجميد التعيينات العسكرية العليا لمدة شهر كامل، في خطوة رآها كثيرون محاولة لوضع الجيش تحت ضغط سياسي مباشر، بينما رأى فيها كاتس إجراءً ضروريًا للمراجعة الشاملة ومنع الجيش من الانزلاق إلى خطوات متسرعة تحت ضغط الغضب الشعبي والرغبة في تقديم أكباش فداء.
لم يتوقف الصدام هنا؛ إذ خرج زامير بتصريح غير مسبوق عندما دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة غير حكومية، تملك صلاحيات كاملة للتحقيق ليس فقط في أداء الجيش، بل في أداء المستوى السياسي قبل الهجوم وأثناءه. وهو تصريح كفيل بإشعال أزمة دستورية داخل إسرائيل، لأنه يلامس خطًا أحمر ظل رؤساء الأركان يتجنبونه لعقود؛ أي تحميل السياسيين المسؤولية المباشرة عن الإخفاقات الأمنية. ومع ذلك، لم يتراجع زامير، بل أكد أن اللحظة التي تمر بها إسرائيل "تاريخية"، وأنه لا يمكن إصلاح الجيش من الداخل من دون إصلاح الخلل في عمليات اتخاذ القرار السياسي التي تجاهلت التحذيرات الاستخباراتية المتكررة وشجعت على تحويل موارد الجيش إلى مهام بعيدة عن مراقبة حدود غزة.
هذا الطرح واجه رفضًا حادًا من كاتس، الذي ذكّر زامير بأن السلطة السياسية هي التي تحدد توجهات المؤسسة العسكرية، وأن الجيش جزء من الدولة وليس كيانًا مستقلًا يفرض شروطه على الحكومة. وكأن الوزير بذلك يحاول إعادة ضبط العلاقة التي رأى أنها بدأت تميل نحو تدخل مفرط من الجيش في المجال السياسي، لا سيما بعد تسرب تقارير تحدثت عن ضباط كبار ينصحون خلف الكواليس بإجراء انتخابات مبكرة أو تغيير نهج نتنياهو. ورغم نفي رئاسة الأركان لهذه التقارير، فإنها زادت من حساسية موقف كاتس، الذي يخشى أن يُستخدم التحقيق في السابع من أكتوبر كأداة لإضعاف الحكومة أو إرباكها.
في العمق، لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن السياق السياسي الأوسع. فنتنياهو يمرّ بواحدة من أعقد مراحل حكمه؛ إذ تشير استطلاعات الرأي منذ شهور إلى فقدانه شعبية كبيرة لصالح شخصيات من اليمين والوسط، وحتى من داخل الليكود نفسه. وعندما كان الضغط الشعبي من عائلات القتلى والمخطوفين متعاظما، تحوّل السابع من أكتوبر إلى اختبار حقيقي لكل لاعب سياسي. وإذا كانت الحكومة قد حاولت منذ البداية دفع المسؤولية نحو الجيش، فإن قيادة الجيش تحاول اليوم إعادة المعادلة إلى مكانها الطبيعي: الإقرار بأخطاء المؤسسة العسكرية، مقابل المطالبة بالتحقيق في مسؤوليات القيادة السياسية. وهو ما لا يستطيع نتنياهو تحمّله في ظل هشاشة حكومته ووضعه القضائي.
الخلاف بين زامير وكاتس ليس صراعًا على تقرير فحسب، بل هو صراع على الرواية: من يملك تفسير ما حدث؟ من يحدّد المسؤوليات؟ ومن يقود عملية استخلاص الدروس التي ستحدد شكل الدولة في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر؟ وقد رأى كثير من المحللين الإسرائيليين أن خطوة كاتس بتجميد التعيينات العسكرية جاءت في جوهرها محاولة لقصّ أجنحة زامير قبل أن يتحول إلى مركز قوة مستقل، قادر على تهديد موقع نتنياهو أو دفعه نحو مساءلة سياسية فعلية، خصوصًا وأن زامير يحظى بتعاطف شعبي ظهر في استطلاعات الرأي الأخيرة.
تكمن اهمية هذا التوتر في توقيته؛ فإسرائيل خاضت لأكثر من عامين معركة مفتوحة على جبهتي غزة والشمال، وتعيش حالة استنزاف أمني واقتصادي واجتماعي. وأي تصعيد في الخلاف بين السياسيين والعسكريين قد ينعكس فورًا على الجاهزية العملياتية للجيش، ويحدث شرخًا في منظومة القرار في لحظة يصفها الجيش نفسه بأنها الأكثر حساسية منذ حرب أكتوبر 1973. وإذا استمر الخلاف بهذا الشكل، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام مواجهة أكبر من مجرد صراع على تقرير؛ إنها مواجهة حول مستقبل القيادة في إسرائيل، وحول كيفية إدارة الأزمات الكبرى.
يعكس الصدام بين كاتس وزامير أزمة بنيوية في العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية في إسرائيل. وهي أزمة قد تكون مقدمة لتحولات أكبر داخل الساحة السياسية، وربما أيضًا داخل الجيش نفسه. فإما أن تنجح الحكومة في احتواء الأمر عبر تسوية تبقي التحقيق ضمن الحدود الداخلية من دون أن يصل إلى السياسيين، أو يواصل زامير ضغوطه باتجاه لجنة مستقلة تفتح الباب أمام مساءلة سياسية غير مسبوقة، وقد تعيد رسم خريطة القيادة في إسرائيل في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر. وفي كلتا الحالتين يبدو واضحًا أن ما بعد هذا الخلاف لن يكون كما قبله، وأن إسرائيل تدخل مرحلة جديدة من النقاش الداخلي حول من يحكم، ومن يقرر، ومن يتحمل مسؤولية أكبر فشل أمني في تاريخها الحديث والقصير.
أقلام وأراء
الخميس 27 نوفمبر 2025 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
من يتحكم في سردية إخفاقات السابع من أكتوبر: السياسيون أم العسكر؟