عربي ودولي

الخميس 06 نوفمبر 2025 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

تحرك أميركي في مجلس الأمن لتسويق مقترح ترمب لغزة

واشنطن- سعيد عريقات - "القدس" دوت كوم

أصدرت وزارة الخارجية الأميركية يوم الأربعاء، بياناً أعلنت فيه أن السفير مايكل وولتز، ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، عقد اجتماعاً مع الدول الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن الدولي (E10)، والتي تضم الجزائر والدنمارك واليونان وغيانا وباكستان وبنما وكوريا الجنوبية وسيراليون وسلوفينيا والصومال. ووفق البيان، الذي استلمت مراسل جريدة القدس عنه، رحبت واشنطن بانضمام كلٍّ من مصر وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة إلى الاجتماع، في خطوة وصفتها بأنها "تجسّد الدعم الإقليمي" لمشروع القرار الأميركي الجديد بشأن غزة.

وأوضح البيان أن مشروع القرار يهدف إلى الترحيب بإنشاء "مجلس السلام" والموافقة على تشكيل "القوة الدولية للاستقرار" التي نصت عليها خطة الرئيس دونالد ترمب ذات النقاط العشرين، وهي الخطة التي أعلن عنها البيت الأبيض الشهر الماضي باعتبارها "خريطة طريق شاملة" لإعادة الأمن والاستقرار إلى قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار. وتشمل الخطة استمرار المساعدات الإنسانية، والإفراج عن جميع الرهائن، وتهيئة الظروف لقيام إدارة مدنية جديدة في القطاع بإشراف دولي، على أن تتولى القوة الدولية مسؤولية الأمن والحدود لفترة انتقالية. وأكد البيان أن "الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترمب الجريئة، ستعود إلى تحقيق النتائج لا الاكتفاء بالكلام"، مشدداً على أن "الفرصة التاريخية لإنهاء عقود من الدماء قد حانت".

لكن وراء هذه اللغة المتفائلة تكمن جملة من الفجوات البنيوية والسياسية التي تجعل المقترح الأميركي محل تساؤل واسع حول واقعيته واستدامته. أولى هذه الفجوات تتعلق بطبيعة "القوة الدولية للاستقرار" التي تتحدث عنها واشنطن من دون تحديد واضح لتكوينها أو مهامها أو مرجعيتها القانونية. فهل ستكون تحت مظلة الأمم المتحدة فعلاً، أم أنها ستتكوّن من تحالف طوعي بقيادة الولايات المتحدة؟ وهل سيُسمح لها بالانتشار في غزة بموافقة إسرائيل، أم أن دورها سيقتصر على مراقبة الحدود والمعابر؟ غياب هذه التفاصيل يطرح شكوكاً حول النوايا الأميركية، ويثير المخاوف من أن تتحول القوة إلى أداة نفوذ أميركي – أو حتى إسرائيلي غير مباشر – أكثر منها ضمانة حقيقية للأمن والاستقرار.

وفي المستوى السياسي، تبدو الخطة منفصلة عن الواقع الفلسطيني الداخلي. فهي لا تذكر السلطة الفلسطينية أو أي جهة تمثيلية فلسطينية بوصفها طرفاً في عملية صنع القرار أو التنفيذ. وهذا التجاهل لا يُعدّ مجرد نقص في التفاصيل، بل يعكس رؤية تتعامل مع غزة كميدان لإدارة الأزمات، لا كجزء من مشروع وطني فلسطيني متكامل. فغياب الشريك المحلي يجعل أي ترتيبات أمنية أو إدارية عرضة للانهيار مع أول اختبار ميداني، كما أن تجاهل البعد السياسي الأوسع – بما في ذلك مسألة الدولة الفلسطينية – يحوّل الخطة إلى مبادرة أمنية مؤقتة لا تعالج جذور الصراع.

أما البعد الإقليمي الذي حرصت واشنطن على إبرازه عبر مشاركة خمس دول عربية في الاجتماع، فيبدو أنه أقرب إلى محاولة لإضفاء شرعية شكلية على المشروع منه إلى تعبير عن توافق حقيقي. فهذه الدول تختلف في مواقفها من حماس ومن مستقبل غزة وعلاقتها بإسرائيل، ما يجعل الحديث عن "دعم إقليمي موحد" غير دقيق. كثير من العواصم المشاركة ربما حضرت الاجتماع من باب المجاملة الدبلوماسية، أو بهدف البقاء ضمن دائرة المشاورات الأميركية، وليس اقتناعاً بجدوى الخطة أو عدالة بنودها.

جانب آخر يثير الجدل هو الربط بين المساعدات الإنسانية والإفراج عن الرهائن، وهو ربط يبدو عملياً على الورق، لكنه ينطوي على تسييس خطير للعمل الإنساني. فالمساعدات التي يُفترض أن تُقدَّم بناءً على الاحتياج الإنساني فقط، تحولت في المقترح إلى أداة ضغط وتفاوض، ما يتعارض مع القواعد الدولية التي تفصل بين الإغاثة والسياسة. هذا النهج قد يعرّض واشنطن لانتقادات من المنظمات الإنسانية، كما يضع الأطراف الفلسطينية أمام معادلة قسرية قد تزيد من التوتر بدلاً من تخفيفه.

ولا يمكن إغفال البعد الدعائي الذي يطغى على البيان الأميركي، إذ تتكرر فيه العبارات التي تمجّد "القيادة الجريئة" للرئيس ترمب و"النتائج الحقيقية" التي وعد بتحقيقها. هذه اللغة لا تُخفي ارتباط المبادرة بالسياق الانتخابي الأميركي، خصوصاً مع اقتراب السباق الرئاسي. كما يبدو أن الإدارة تسعى إلى استثمار الملف الفلسطيني كمنصة لإبراز صورة الرئيس "صانع السلام" القادر على تحريك الشرق الأوسط، وهو ما يفسر استعجال طرح الخطة قبل اكتمال عناصرها التنفيذية والسياسية.

وحتى في حال حصول المقترح على دعم مبدئي داخل مجلس الأمن، تبقى إشكالية التنفيذ قائمة. فالمشروع لا يقدم تصوراً واضحاً لتمويل القوة الدولية أو الإشراف عليها أو تحديد مدة عملها. كما أنه يتجاهل تماماً المرحلة اللاحقة لـ"الاستقرار" المفترض: من سيحكم غزة؟ كيف ستُعاد الإعمار؟ ما موقع حماس أو الفصائل الأخرى في المنظومة الجديدة؟ هذه الأسئلة الجوهرية تظل بلا إجابة، ما يثير شكوكاً حول قدرة الخطة على تجاوز حدود الورق إلى التطبيق الفعلي.

ويظهر المقترح الأميركي كتحرك سياسي طموح يسعى لإعادة تموضع واشنطن في الملف الفلسطيني وإظهار إدارة ترمب بمظهر الفاعل القادر على "تحقيق ما عجز عنه الآخرون"، لكنه يعاني من غموض في التفاصيل، وغياب للشريك الفلسطيني، وتناقض بين الطموح السياسي والواقع الميداني. ومع أن الخطاب الأميركي يحاول تسويق المبادرة كطريق إلى "سلام دائم في الشرق الأوسط"، فإن المؤشرات العملية ترجّح أنها ستواجه مصير خطط سابقة، لأنها تتعامل مع غزة كملف أمني، لا كجزء من قضية سياسية أعمق تحتاج إلى حلول عادلة ومستدامة.


دلالات

شارك برأيك

تحرك أميركي في مجلس الأمن لتسويق مقترح ترمب لغزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.