بعد خمسة عقود من التجاذبات السياسية والقانونية بشأن قضية الصحراء المغربية، جاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 ليشكل محطة تاريخية فارقة في مسار هذا النزاع الإقليمي المزمن.
تنبع أهمية هذا القرار، الصادر يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، من كونه يكرس لأول مرة الشرعية الدولية الكاملة لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه الخيار الواقعي والدائم الوحيد لحل النزاع.
جاء القرار في سياق إقليمي ودولي متوتر، وهو ما يعكس أنه ثمرة لرؤية استراتيجية عميقة لمسار دبلوماسي طويل وشاق قاده المغرب تحت الإشراف المباشر للملك محمد السادس.
في هذه المقالة نحاول أن نعيد التذكير بالسياق التاريخي لمقترح الحكم الذاتي، وأن نرصد التحول الأممي في التعاطي مع هذا النزاع الذي عمر لمدة نصف قرن.
الحكم الذاتي هو نظام قانوني وسياسي يرتكز على ضمانات القانون الدستوري، الذي يعترف لإقليم معين داخل الدولة بالاستقلال في إدارة شؤونه الداخلية تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية.
كما أن تطبيقات الحكم الذاتي الداخلي لا تأخذ شكلا واحدا، بل إن تطبيقاته تختلف من دولة لأخرى حسب الظروف التاريخية والسياسية والقانونية.
وإسهاما من المغرب في حل مشكلة الصحراء التي عمرت أزيد من أربعة عقود، أعلن الملك محمد السادس في 30 يوليوز من سنة 2006، عن قرار المغرب تقديم مبادرة للحكم الذاتي للصحراء.
وفي 11 أبريل من سنة 2007، سلم السفير المندوب الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة بنيويورك إلى الأمين العام الأممي بان كي مون، نص المبادرة المغربية.
تبنى مجلس الأمن في 30 أبريل بالإجماع القرار رقم 1754 الذي "أحاط فيه علما بالمقترح المغربي الخاص بالتفاوض حول نظام الحكم الذاتي في الصحراء ورحب بالجهود المغربية المتسمة بالجدية والمصداقية".
وفي 18 و19 يونيو من سنة 2007 أجريت الجولة الأولى من المفاوضات بين المغرب البوليساريو، بمنهاست بنيويورك، تحت رعاية المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة.
ورغم رفض البوليساريو رسميا المقترح المغربي، فإن مشروع الحكم الذاتي المغربي لقي ترحيبا من عدد كبير من الدول وحظى بالدعم رغم جمود المفاوضات بين الأطراف المعنية.
الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر جدوى.
بعد سنة 2007، تم الاعتراف بمقترح المغرب للحكم الذاتي كأرضية جدية للتفاوض، ولكن هذا الاعتراف لم يتجاوز عبارة "أخذ المجلس علما بمقترح الحكم الذاتي...".
ومع ذلك، يمثل القرار 2797 نقلة نوعية، إذ يكرس للمرة الأولى تجاوزا كاملا لمنطق الاستفتاء، مع اعتماد مقاربة جديدة تعتبر أن تقرير المصير يمكن أن يتحقق ضمن السيادة الوطنية.
على مستوى القانون الدولي، يعكس القرار تطورا جوهريا في مفهوم "تقرير المصير"، إذ لم يعد هذا المفهوم مرادفا للانفصال.
يحمل القرار 2797 مكاسب متعددة الأبعاد للمغرب، تتوزع على ثلاثة مستويات مترابطة.
على المستوى القانوني، يؤكد القرار أن "الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر جدوى".
أما على المستوى السياسي، فيكرس القرار فشل خيار الانفصال، إذ لم يتضمن أي إشارة إلى الاستفتاء.
وعلى المستوى الدبلوماسي، اعتمد القرار بأغلبية مريحة في مجلس الأمن، بدعم واضح من القوى الكبرى.
الخطاب الملكي الذي أعقب صدور القرار جاء محملا بدلالات أخلاقية وسياسية عميقة.
فالسياسة المغربية القائمة على "اليد الممدودة" تجاه الجزائر تعكس رؤية استراتيجية تتوخى تحويل الصراع إلى شراكة.
إن المغرب، من خلال هذا القرار، لا يحقق فقط اعترافا بشرعية مقترحه للحكم الذاتي، بل يجسد أيضا تميزا أخلاقيا في كيفية إدارة الخلافات.
غير أن هذا النجاح الدبلوماسي يفرض مسؤولية داخلية موازية، تتمثل في مواصلة الإصلاحات السياسية والمؤسساتية.





شارك برأيك
قرار مجلس الأمن رقم 2797 .. التحول الأممي في مقاربة قضية "الصحراء المغربية"