لم يكن تقرير صحيفة الغارديان البريطانية الصادر في الرابع عشر من أكتوبر 2025 مجرّد مادة صحفية عابرة عن الأسرى الفلسطينيين، بل كان بمثابة وثيقة دامغة في وجه العالم، صرخة ممهورة بدماء من خرجوا من الجحيم الإسرائيلي بأجساد منتهكة وأرواح مهشّمة. التقرير الذي أعدّه الكاتب البريطاني المعروف أوين جونز لم يقدّم مشاهد استثنائية، بل كشف واقعًا منهجيًا من الوحشية تتغذّى عليه منظومة الاحتلال، حيث يصبح التعذيب طقسًا يوميًا، والتجويع سياسة رسمية، والإذلال أسلوب حكم.
يروي التقرير قصة الأسير المحرّر نسيم الرضيع، البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، وهو موظف حكومي من بيت لاهيا في شمال غزة، اعتُقل في التاسع من ديسمبر 2023 من مدرسة كانت قد تحوّلت إلى مركز نزوح. قضى اثنين وعشرين شهرًا في السجون الإسرائيلية، منها مئة يوم في زنزانة تحت الأرض، دون أن تُوجَّه له أي تهمة. خرج بعينٍ واحدة بعد أن تلقّى "هدية وداع" من الحراس الإسرائيليين الذين قيدوه وانهالوا عليه بالضرب المبرح قبل إطلاق سراحه. يروي للغارديان: "الحراس كانوا يدخلون علينا فجأة، يقيدون أيدينا وأرجلنا، ثم يبدؤون بضربنا بلا رحمة. لم تكن الضربات استثناءً بل جزءًا من نظام منتظم للتعذيب". كانت الزنازين مكتظة، أربعة عشر شخصًا في غرفة بالكاد تتسع لخمسة، الهواء خانق، الطعام ملوث، والأمراض الجلدية والفطرية تنهش الأجساد المنهكة. لكنه حين خرج من السجن وجد نفسه أمام مأساة أشدّ قسوة: استشهاد زوجته وأطفاله في قصفٍ إسرائيلي على بيتهم. قال بصوتٍ يقطر مرارة: "كنت سعيدًا لأن يوم خروجي صادف عيد ميلاد طفلتي صبا الثالث... كنت أريد أن أحتفل معها، لكنها ذهبت مع عائلتي، وذهبت معها فرحتي".
في شهادةٍ أخرى، تحدث الأسير المحرّر محمد الأسالية، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، اعتُقل من جباليا واحتُجز في سجن نفحة بصحراء النقب. قال الأسالية: "لم تكن هناك رعاية طبية. حاولنا معالجة جروحنا باستخدام مطهّر الأرضيات، لكنه زادها سوءًا". كان السجن مختبرًا للألم: فرش قذرة، طعام ملوث، أجساد نحيلة، وبيئة غير صحية حولت الجدران إلى مقابر للأحياء. تحدث عن غرفة يسميها السجّانون "الديسكو"، حيث كانوا يشغّلون موسيقى صاخبة دون توقف ليومين متتاليين لتعذيب الأسرى نفسيًا.
وأضاف: "كانوا يعلقوننا على الجدران، ويرشوننا بالماء البارد، وأحيانًا يرمون مسحوق الفلفل الحار على أجسادنا". الرعاية الطبية كانت معدومة، والمعتقلون يعالجون أنفسهم بما يجدون، فيما الجوع يُستخدم كسلاح تأديبي جماعي، يجعل من اللقمة معركة يومية للبقاء.
يشير التقرير إلى أن هذه الممارسات ليست حوادث فردية بل سياسة مؤسسية ممنهجة. فبحسب «اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل» (PCATI)، يُحتجز قرابة 2800 فلسطيني من غزة في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية دون توجيه تهمة. وقد عدّل الكنيست الإسرائيلي في ديسمبر 2023 ما يُعرف بـ«قانون المقاتلين غير الشرعيين» ليسمح بالاعتقال الإداري إلى ما لا نهاية، بناءً على "تقدير ضابط" يرى أن المحتجز يشكل خطرًا. وهكذا حوّلت إسرائيل القانون إلى غطاء شرعي للتعذيب الممنهج والإخفاء القسري. المديرة التنفيذية للجنة، تال شتاينر، قالت بوضوح: "نرى التعذيب جزءًا من سياسة يقودها صناع قرار إسرائيليون مثل إيتمار بن غفير وآخرين".
وفي هذا السياق، برز اسم وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي يفاخر علنًا بسياسة التجويع والإذلال. ففي منشور له على وسائل التواصل كتب في يوليو الماضي: "أنا هنا لأضمن أن يتلقى الإرهابيون الحد الأدنى من الحد الأدنى من الطعام". هذه ليست كلمات طائشة من متطرفٍ منعزل، بل هي تعبير رسمي عن سياسة دولة ترى في حرمان الأسير من لقمة الخبز وسيلة "أمنية". الأرقام الواردة في التقرير مفزعة: فقدان ثلاثين كيلوغرامًا من الوزن أصبح أمرًا عاديًا بين المعتقلين. نسيم الرضيع دخل السجن بوزن ثلاثة وتسعين كيلوغرامًا وخرج بستين، والأسالية فقد أكثر من ثلاثين كيلوغرامًا. الجسد يذوب كما تذوب الإنسانية في غياهب الزنازين.
علامات التعذيب واضحة على الأجساد
يقول الطبيب إياد قديح من مستشفى ناصر في خان يونس، الذي استقبل عدداً من الأسرى المفرج عنهم، إن علامات التعذيب واضحة على أجسادهم: كدمات، كسور، جروح، آثار سحب على الأرض، وعلامات قيود غاصت في اللحم حتى العظم. ويضيف أن كثيرين نقلوا مباشرة إلى قسم الطوارئ بسبب سوء حالتهم الصحية، وأن بعضهم لم يتمكن حتى من الوقوف. الصورة التي ترسمها الغارديان ليست عن "حوادث معزولة"، بل عن نظام عقابي يدار بعقلية الحقد، حيث تتحول الزنازين إلى مختبر للانهيار الإنساني، ويصبح الألم لغة رسمية بين السجّان والسجين.
أهمية التقرير تتجاوز تفاصيل الشهادات؛ إنها تكمن في توقيت نشره ومصدره، فإن تصدر مثل هذه الوثيقة في صحيفة بريطانية كبرى يعني أن الرواية الفلسطينية بدأت تخرق جدار الصمت الغربي، وأنّ الإعلام الذي طالما تبنّى الخطاب الإسرائيلي بدأ يرى الحقيقة التي حاولت الدعاية طمسها. فالتقرير لا يتحدث عن "مخالفات"، بل عن بنية كاملة من الانتهاك، تُدار بقرارات رسمية، وتُمارس بعلم الحكومة، وتُغطيها مؤسسات القضاء والجيش.
لقد فشلت إسرائيل –كما تقول الغارديان– في إخفاء حقيقة جوهرية: أنها لا تمتلك نظام عدالة، بل تمتلك منظومة إذلال ممنهجة. كلّ أسير فلسطيني هو مشروع تعذيب، وكلّ زنزانة هي مساحة لإنتاج الكراهية. وفي حين تتذرّع المؤسسة الإسرائيلية بالقانون الدولي، يكشف التقرير أن هذا "القانون" لا يُستخدم إلا لتبرير الجريمة لا لمحاسبتها. الصمت الدولي، من واشنطن إلى بروكسل، هو الغطاء الذي يسمح باستمرار هذه الفظائع.
ورغم كل ذلك، فإن الغارديان – بما تمثّله من ثقل إعلامي في أوروبا – قدمت للعالم وثيقة نادرة: شهادات حيّة من داخل الجحيم الإسرائيلي. ليست قصصًا من الماضي، بل من الحاضر الممتد، حيث يتحول الإنسان الفلسطيني إلى رقم في سجلّ الاعتقال، وجسدٍ يُستهلك تحت أدوات التعذيب. إنها لحظة فارقة في السرد الغربي، لأن الصحافة التي طالما بررت "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" وجدت نفسها أمام أدلة قاطعة على أن هذا “الدفاع” ليس سوى جريمة مفتوحة ضد الإنسانية.
إن تقرير الغارديان لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يفضح المفارقة الأخلاقية في الخطاب الغربي: كيف يمكن لدول تتغنى بحقوق الإنسان أن تصمت على نظامٍ يجعل من العذاب مؤسّسة رسمية؟ كيف يمكن لعواصم أوروبا أن تندد بانتهاكات في أقاصي الأرض بينما تغض الطرف عن تعذيب يومي على بعد بضع ساعات من المتوسط؟ إنها الأسئلة التي ستلاحق ضمير العالم كما تلاحق كوابيس الأسرى أجسادهم.
نسيم الرضيع يُجرّد الاحتلال من إنسانيته
في النهاية، لم يخرج نسيم الرضيع من السجن وحده؛ خرجت معه شهادة تجرّد الاحتلال من إنسانيته. ولم يتكلم محمد الأسالية عن نفسه، بل عن أمة كاملة تُعاقب لأنها ما زالت على قيد الحلم. ومن خلف القضبان، يهمس هؤلاء بما عجزت الدبلوماسية عن قوله: إن الحرية الفلسطينية لا تبدأ حين يُفتح الباب، بل حين يسقط الجلاد عن عرشه.
هكذا كشفت الغارديان ما تحاول إسرائيل إنكاره منذ عقود: أن التعذيب ليس خطأ فرديًا ولا انحرافًا في النظام، بل هو نظامٌ قائم بذاته، دولة داخل الدولة، عقيدة في خدمة الاحتلال. إنها الحقيقة التي تفضح (إسرائيل) أمام مرآة ضمير العالم، وتعيد طرح السؤال الأبدي: إلى متى يُسمح لمن يمارس أقسى أشكال التعذيب أن يتحدث باسم "الديمقراطية" و"الأمن"؟





شارك برأيك
حين تكشف "الغارديان" الوجه الحقيقي لإسرائيل