في المشهد الفلسطيني الراهن تتضح أزمة عميقة في بنية التفكير السياسي الفلسطيني، تواجه كلا من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وهما تراهنان على ان دورهما في مستقبل غزة سيفرض من الأعلى، عبر ضغوط إقليمية او دولية، لا من خلال توافق فلسطيني، هذا الرهان ليس جديدا، لكنه اليوم أكثر خطورة، اذ يعيد إنتاج أزمة الشرعية والتمثيل التي يعيشها الفلسطينيون منذ عقود.
كما هو معلوم، فقد استجابت السلطة الفلسطينية لسلسلة من الاشتراطات والطلبات الخارجية، لكنها تبدو اليوم غير قادرة على إدراك ان الإقليم العربي لم يكن يوما صانع قرار، بقدر ما هو متغير تابع وغير مستقل عن الارادة الدولية، وان ما يميز سلوك القيادة الفلسطينية اليوم هو رؤيتها المتمثلة في ان لا شيء يمكن ان يسير او يتقدم دونها، وكأن التاريخ توقف عندها، والشرعية لا تصدر الا عنها، هذه الرؤية الأبوية التي تخلط بين القيادة والملكية، وبين التمثيل والوصاية، وهي نفسها التي كبحت كل محاولة لتجديد دماء النظام السياسي الفلسطيني، وأبقت الدائرة مغلقة على المجموعة ذاتها، تتناوب المواقع وتعيد إنتاج الأزمة، لكن باسم الوحدة والشرعية الوطنية.
غير ان عمق الأزمة لا يقف عند حدود السياسة، بل يتغلغل في بنية النظام الدستوري نفسه، فمنذ قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي، دخل النظام في حالة من الارتباك الدستوري، فبين من رأى في القرار خطوة ضرورية لإنهاء الشلل السياسي، ومن اعتبره تجاوزا لصلاحيات المحكمة، تحول القانون الاساسي من مرجعية حاكمة الى وثيقة مؤجلة، واصبحت السلطة التنفيذية تشرع وتقرر وتفسر القوانين بديلا عن المؤسسات المنتخبة، ومع تكرار العمل بالمراسيم، تآكل مبدأ الفصل بين السلطات، وتراجعت مكانة القضاء والتشريع امام تغول القرار السياسي وسيطرة السلطة التنفيذية، ذلك القرار لم يستند الى نص صريح في القانون الاساسي، بل الى تفسير موسع لمفهوم "الضرورة الدستورية"، ما ادى فعليا الى تحويل الاستثناء المؤقت الى قاعدة دائمة، الامر الذي يجعل من تجاوز هذه الألية عبر المراسيم او التفسيرات السياسية اضعافا جوهريا لفكرة التوازن الدستوري الفلسطيني.
الانتخابات التي يفترض ان تجدد الشرعية تحولت الى شعار مؤجل لأكثر من عقد، لا لعجز إداري، بل لأنها غير ممكنة عمليا في القدس التي تمثل جوهر السيادة الرمزية والسياسية، ومع غياب اي ضمانات لاجرائها هناك، يغدو الحديث عن مهل دستورية مجرد تمرين نظري، فاي عملية انتخابية لا تشمل القدس تفقد معناها الرمزي والقانوني، واي عملية تشريعية لا تستند الى برلمان منتخب تبقى منقوصة.
بهذا المعنى، يدخل النظام السياسي الفلسطيني في نفق متشعب، فلا هو يستطيع التقدم بخطوات ديمقراطية حقيقية لان الاحتلال يغلق المجال السياسي، ولا هو ايضا يستطيع التراجع الى شرعيات سابقة لان المؤسسات المنتخبة قد حلت واستبدلت بمؤسسات معينة، او لا تستند الى تفويض شعبي حديث، والنتيجة هي حالة فراغ دستوري تتسع يوما بعد يوم، تمكن الاحتلال من ادارة المشهد الفلسطيني عن بعد، عبر تغذية هذا الفراغ وتحويله الى واقع دائم، فكلما غابت الانتخابات، فقدت مؤسسات الحكم معناها، وتحولت السلطة من كيان سياسي يمثل شعبا الى جهاز إداري.
الخلاف داخل حركة فتح يزيد الصورة تعقيدا، اذ ان عددا من الشخصيات التاريخية ترى نفسها الاحق بقيادة المرحلة المقبلة، ما يجعل الصراع الداخلي مرشحا للاتساع كلما تم تجاهل الحاجة الى تجديد الشرعية، ما يجعل أزمة المشروع الوطني ليست عارضة ولا مرتبطة باشخاص، بل بنيوية، في طريقة التفكير، وفي تصور الدولة والتمثيل، وبدلا من فتح نقاش حقيقي حول مستقبل المشروع الوطني، يستمر المشهد في الدوران ضمن الدائرة ذاتها.
الطريق للخروج من هذا النفق يبدأ بالاعتراف بان النظام الدستوري الفلسطيني لا يمكن ان يعيش بالاستثناء الدائم، وان القانون الاساسي ليس مجرد نص، بل تعاقد وطني، ولا بد من اعادة تفعيله عبر مجالس منتخبة وحكومات خاضعة للمساءلة، ومن دون ذلك، سيبقى الفلسطينيون يدورون في حلقة من التعطيل والتفويض، فيما الاحتلال يواصل استثمار هذا الشلل لتفريغ المشروع الوطني من مضمونه، ساعيا لتحويله الى “إدارة مدنية" بلا سيادة أو أفق سياسي.





شارك برأيك
أزمة المشروع الوطني الفلسطيني