في خطوة تعكس إدراك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهشاشة الوضع الميداني في قطاع غزة، كشفت صحيفة نيويورك تايمز يوم الخميس أن وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي توجه إلى إسرائيل مساء الأربعاء، أعلن أن واشنطن تدرس طلب تفويض من مجلس الأمن الدولي لنشر قوة أمنية دولية في غزة.
روبيو، الذي يحمل ثلاث حقائب وزارية (وزارة الخارجية ومستشار الأمن القومي، ورئيس وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية) ، قال في تصريحات للصحفيين بقاعدة أندروز الجوية قبيل إقلاعه إلى إسرائيل، إن الولايات المتحدة تعتبر من "المهم" المساعدة في الحفاظ على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، وهو الاتفاق الذي بدأ يتعرض مؤخرًا لهزّات متتالية بسبب التوترات حول تبادل جثامين القتلى من الجانبين وتصاعد أعمال العنف في القطاع.
الهدنة الحالية تستند إلى مقترح طرحه الرئيس ترمب في سبتمبر الماضي، تضمّن إنشاء "قوة استقرار دولية مؤقتة" لتأمين المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية ومنع تهريب السلاح وتسهيل وصول المساعدات، إضافة إلى تدريب قوة شرطة فلسطينية محلية. إلا أن الخطة تواجه رفضًا أو ترددًا من دول عديدة، تخوّفًا من غموض المهمة، واحتمال أن تجد القوات المشاركة نفسها في مواجهة مباشرة مع مقاتلي حماس.
وقال روبيو إن "الذهاب إلى الأمم المتحدة، وربما الحصول على تفويض دولي، سيكون خطوة لبناء قوة أمن دفاعية متعددة الأطراف"، في إشارة إلى سعي الإدارة الأمريكية إلى شرعنة وجود أمني طويل الأمد في غزة تحت غطاء دولي.
زيارة روبيو تأتي في سياق حراك دبلوماسي أميركي مكثّف، إذ سبقه إلى إسرائيل نائب الرئيس جيه دي فانس، والمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف، ومستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنر، ما يعكس قلق واشنطن من احتمال انهيار وقف إطلاق النار. كما أن روبيو سيشرف على إنشاء "مركز تنسيق مدني عسكري" في جنوب إسرائيل، بمشاركة دبلوماسيين أمريكيين لمراقبة الهدنة على الأرض.
وقال روبيو: "نحن ندرك أن الحفاظ على الهدوء يتطلب عملاً شاقًا وتنسيقًا دائمًا، لكن وجودنا الميداني يضمن أن لدينا الأشخاص المناسبين في المكان المناسب". من جهته، أقر نائب الرئيس فانس بأن "تحقيق سلام دائم في غزة لن يكون سهلا"، مؤكدًا أن "كثيرًا من القضايا الجوهرية لم تُحل بعد"، وعلى رأسها بند نزع سلاح حماس الذي ترفضه الحركة بشدة.
ويواجه اتفاق وقف إطلاق النار أيضًا تحديات داخل إسرائيل نفسها، حيث مرر الكنيست مؤخرًا إجراءً تمهيديًا لضم الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تتعارض تمامًا مع خطة ترمب للسلام. وقد علّق روبيو على ذلك قائلاً إن "أي تحركات أحادية لضم الأراضي يمكن أن تهدد الاتفاق الهش وتنسف فرص الاستقرار الإقليمي".
ورغم أن إدارة ترمب تسوّق مشروع القوة الدولية في غزة كجزء من "خطة استقرار"، إلا أن المراقبين يرون فيه خطوة تحمل أبعادًا مزدوجة: فمن جهة، هي محاولة لتقاسم أعباء السيطرة الأمنية على القطاع مع أطراف دولية تمنح واشنطن غطاء شرعيًا؛ ومن جهة أخرى، وسيلة للحد من نفوذ حماس وإعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفق شروط أميركية–إسرائيلية.
لكن التجارب السابقة، من البوسنة إلى لبنان، تشير إلى أن أي قوة دولية بلا تفويض واضح ومهام محددة قد تتحول سريعًا من عنصر استقرار إلى طرف في النزاع. وفي حالة غزة، فإن غياب إجماع دولي حول الجهة التي ستقود القوة، وطبيعة التنسيق مع الأطراف الفلسطينية، يجعل المشروع محفوفًا بالمخاطر.
بمعنى آخر، يبدو أن واشنطن تحاول هذه المرة نقل مسؤولية الفشل المحتمل في غزة من كاهلها إلى الأمم المتحدة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية والخارجية لسياسة ترمب الشرق أوسطية التي تُتهم بتثبيت واقع الاحتلال الإسرائيلي أكثر من تحقيق السلام.





شارك برأيك
واشنطن تبحث عن غطاء دولي في غزة