في ربيع عام 1945، بينما كانت أوروبا تلتقط أنفاسها بعد نيران الحرب، كان الشاب الألماني "بيرنهارد كارل تراوتمان" يسير في طابور الأسرى البريطانيين، ونظرات الحقد تثقب ظهره. لم يتخيل أحدٌ ولا هو نفسه أن هذا الجندي السابق في "اللوفتفافه" (سلاح الجو ألمانيا النازية) سيصبح خلال سنوات قلائل أيقونة تُرفع باسمها الأعلام في شوارع مانشستر، وأن كسرا في رقبته سيكسر حاجزا من الصراع الإنساني الأعمق والكراهية المقيتة.
وُلد برنهارد تراوتمان لعائلة من الطبقة العاملة في بريمن (ألمانيا) عام 1943. وفي العاشرة من عمره، انضم إلى "يونغفولك"، الفرع الصغير من "شباب هتلر". كانت "يونغفولك" منظمة للأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و13 عاما، تنظم أنشطة خارجية واستعراضاتٍ ورياضة، بهدف غرس مبادئ الأيديولوجية النازية في نفوس أعضائها الشباب.
وفي بداية الحرب العالمية الثانية، انضم تراوتمان إلى سلاح الجو الألماني (لوفتفافه) وخدم مظليا. وقاتل على الجبهة الشرقية لمدة 3 سنوات، وحصل على 5 ميداليات. وفي وقت لاحق من الحرب، نُقل إلى الجبهة الغربية، حيث وقع في أسر البريطانيين مع اقتراب الحرب من نهايتها.
بصفته جنديا متطوعا، صُنِّف سجينا من الفئة "ج"، أي أنه كان يُعتبر نازيا بحتا. كان واحدا من بين 90 جنديا فقط نجوا من الحرب من فوجه الأصلي المكون من ألف جندي، فنُقل إلى معسكر أسرى حرب في أشتون، لانكشاير. وفي وقت لاحق، رفض برنهارد تراوتمان عرض العودة إلى الوطن، وبعد إطلاق سراحه في عام 1948، قرر الاستقرار في منطقة لانكشاير، حيث جمع بين العمل الزراعي ولعب كرة القدم للفريق المحلي، سانت هيلينز تاون.
بفضل أدائه الجيد في سانت هيلينز حصل أداء تراوتمان على لقب "بيرت" الإنجليزي، وجذب انتباه أندية كرة القدم الكبرى. وفي عام 1949، انضم إلى مانشستر سيتي، الذي كان يلعب في دوري الدرجة الأولى آنذاك. وعندما أعلن السيتي تعاقده مع الحارس الألماني، انفجرت المدينة غضبا وتجمع آلاف الأشخاص للتعبير عن احتجاجهم على "التعاقد النازي".
لكن مدرب الفريق "جوك تومسون" تمسك بقرار النادي وقال: "اشتريت لاعبا، لا جواز سفره. شاهدوه يلعب أولا". لم يخيب تراوتمان تطلعات مدربه، وحوّل صفارات الاستهجان إلى هتافات خلال أشهر حيث شارك في جميع مباريات النادي الـ250 التالية، باستثناء 5 مباريات.
تراوتمان انضم إلى مانشستر سيتي في عام 1949.
لم آتِ لأغير التاريخ، بل لألعب الكرة. لكنهم جعلوني جسرا بين وطنين مزقتهما الحرب.
تراوتمان أنهى مسيرته الرياضية بعد خوض 545 مباراة مع مانشستر سيتي.
برع تراوتمان في صد الكرات، وخاصة ركلات الجزاء، حيث تصدى لـ60% من تلك التي واجهها طوال مسيرته. فاز بيرت تراوتمان بجائزة أفضل حارس مرمى عام 1956، وساهم في فوز فريقه مانشستر سيتي بلقب كأس الاتحاد الإنجليزي بعد الفوز على برمنغهام سيتي في الخامس من مايو/أيار 1956.
في الدقيقة 75 من نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي، أصيب بيرت تراوتمان في رقبته بعد اصطدامه بركبة لاعب برمنغهام سيتي، بيتر مورفي. وسقط على الأرض فاقدا الوعي لثوانٍ، ثم نهض ممسكا رأسه المتدلي. لم يكن مسموحا بدخول أي لاعب بديل في تلك الفترة، لذا واصل تراوتمان المباراة وهو في حالة ذهول وعدم ثبات على قدميه.
خلال الدقائق الـ15 المتبقية، دافع عن مرماه، وتصدى لعدة فرص حاسمة أخرى وحافظ مانشستر سيتي على الفوز (3-1). اعترف تراوتمان لاحقا بأنه قضى الجزء الأخير من المباراة "في حالة من الغموض".
استغرق تعافي تراوتمان عدة أشهر، مما أدى إلى غيابه عن جزء كبير من موسم 1956-1957. وشهدت هذه الفترة العصيبة لتراوتمان حادثة أسوأ، إذ فقد هو وزوجته الإنجليزية، مارغريت، ابنهما البكر جون الذي لقي حتفه في حادث سيارة بعد بضعة أشهر من نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1956، عن عمر يناهز 5 سنوات.
ما فعله تراوتمان لم يكن بطولة رياضية فقط، بل ثورة اجتماعية، ففي: عام 1956: أصبح أول حارس يفوز بجائزة "لاعب العام" في إنجلترا (من اتحاد الكتّاب). عام 1964: اعتزل بعد 545 مباراة، حاملا لقب "أعظم حارس في تاريخ السيتي" رغم بدايته المثيرة للجدل.
إرث لا يُنسى حتى بعد اعتزاله، ظل تراوتمان سفيرا للعبة في أقاصي العالم حيث درب في ميانمار وتنزانيا وليبيريا وباكستان، داعما تطوير كرة القدم في المجتمعات الفقيرة. وفي صباح 19 يوليو/تموز 2013، رحل تراوتمان عن 89 عاما في إسبانيا، حيث عاش سنواته الأخيرة.
توفي تراوتمان في عام 2013 في إسبانيا عن عمر يناهز 89 عامًا.





شارك برأيك
بيرت تراوتمان.. من أسير حرب إلى أسطورة كروية في السيتي