د. حسين الديك: اتفاق وقف إطلاق النار سوف يستمر بالرغم من العقبات مع احتمال إدخال تعديلات وتأجيلات كبيرة في تطبيقه
طلال عوكل: ترمب لن يسمح بانهيار خطته أو العودة إلى حرب واسعة انطلاقاً من رؤيته للمصالح الأمريكية التي يضعها في أولوية مطلقة
د. سهيل دياب: ما يمكن توقعه في المرحلة المقبلة استمرار حالة "الهدوء المتوتر" حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية دون عودة إلى حرب الإبادة
ياسر مناع: المرحلة المقبلة قد تشهد ترتيبات جزئية مرتبطة بإدارة القطاع برعاية أمريكية وعربية وبموافقة إسرائيلية وفلسطينية محدودة
محمد أبو علان دراغمة: نتنياهو يسعى لتغيير شكل العمليات العسكرية دون إنهاء الحرب بشكل كامل مستغلاً أي فرص لتحقيق أهداف عسكرية
تتجه الأنظار مجدداً إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة إثر التصعيد الإسرائيلي الجديد، وما يتضمنه من مناورات يقوم بها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن الاتفاق الذي جاء بضغط أمريكي يعكس حاجة واشنطن إلى تهدئة سريعة تواكب حساباتها الداخلية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، فيما يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إطالة المرحلة الأولى من الاتفاق، متجنباً استحقاقات المراحل اللاحقة، في محاولة لتوظيف الملف في معركته الانتخابية المقبلة. غير أن الواقع الميداني بحسب الكتاب والمحللين والمختصين، يكشف عن هشاشة التفاهمات، مع تسجيل مئات الخروقات للاتفاق التي توحي بترحيل الأزمة أكثر من حلّها.
ويرى الكتاب والمحللون أن مستقبل غزة يظل ساحة صراع بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تدعو إلى وصاية أمريكية – بريطانية تحت مظلة "مجلس السلام"، والثانية تسعى إلى إدارة فلسطينية تكنوقراطية مدعومة عربياً ودولياً.
نتنياهو يسعى لكسب مزيد من الوقت والمناورة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان مجبراً ومكرهاً على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، حيث إن هدفه الرئيس كان كسب مزيد من الوقت والمناورة السياسية مع الإدارة الأمريكية.
ويوضح الديك أن التحرك الأمريكي لإجبار نتنياهو على الاتفاق جاء بعد عدة عوامل دولية، منها الضربة العسكرية الإسرائيلية في العاصمة القطرية الدوحة، والاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية، ومشهد الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث خرجت الوفود دون الاستماع إلى خطاب نتنياهو، ما دفع الإدارة الأمريكية للتحرك.
ويشير الديك إلى أن الاتفاق هدف إلى إعادة إسرائيل إلى الحظيرة الغربية الأوروبية ودعم موقف نتنياهو سياسياً.
ويلفت الديك إلى أن العودة إلى القتال بشكل واسع غير محتملة، إلا أن الحرب لم تتوقف فعلياً، فهي لم تنتهِ، لكنها لن تعود كما كانت خلال السنتين الماضيتين، فالخروقات تتواصل يومياً، مع سقوط ضحايا مدنيين.
ويؤكد أن أدوات الحرب قد تغيرت، وأن استمرارها يأتي ضمن إطار التكيف الأمريكي الجديد لرؤية الشرق الأوسط، التي لا تسمح بعودة الحرب الشاملة في غزة.
ويلفت الديك إلى أن الحالة اللبنانية المرجح تطبيقها على غزة ستفرض أدوات أكثر حدة، مع سيطرة الجيش الإسرائيلي على نحو 52% من مساحة القطاع، ورسم ما يُعرف بالخط الأصفر الذي يمنع الفلسطينيين من الاقتراب منه، مشيراً إلى أن هذه المناطق تسعى إسرائيل إلى أن تُضم أو تُترك كمنطقة عازلة تحت السيطرة الإسرائيلية.
الاتفاق منذ البداية هش بنيويّاً
وفيما يخص المرحلة الثانية من الاتفاق، يوضح الديك أن الاتفاق منذ البداية هش بنيوياً، مع غياب وضوح حول تفاصيل المرحلة الثانية، خاصة مسألتَي الحكم ونزع السلاح.
ويشير إلى أن تفسير كل طرف لهذه القضايا مختلف؛ فالجانبان الأمريكي والإسرائيلي ينظران إلى نزع السلاح باعتباره هدفاً رئيسياً، بينما التفسير الفلسطيني والعربي مختلف تماماً، ما قد يؤخر أو يعقد تطبيق المرحلة الثانية. ويلفت الديك إلى أن مسألة إعادة رفات الأسرى الإسرائيليين قد تُشكل عائقاً رئيسياً أمام الانتقال للمرحلة التالية.
وتناول الديك مسألة حكومة التكنوقراط وقوة حفظ النظام ضمن خطة ترمب، موضحاً أن الترتيبات تشمل تدريب نحو 5 آلاف إلى 10 آلاف شرطي فلسطيني في العاصمة المصرية القاهرة، إضافة إلى وجود قوات دولية لمراقبة الأمن ونزع السلاح داخل غزة، مع تساؤلات حول جنسياتها وصلاحياتها، وما إذا كان القرار سيصدر تحت الفصل السادس أم الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ويشير إلى أن العلاقة بين حكومة التكنوقراط والسلطة الفلسطينية ومجلس السلام الذي يرأسه ترمب ما زالت غير واضحة، مع توقع الحاجة إلى ملاحق تفسيرية خلال المفاوضات المقبلة في القاهرة.
ويرى الديك أن الاتفاق سيستمر رغم العقبات، مع احتمال إدخال تعديلات وتأجيلات كبيرة في تطبيقه، مشيراً إلى تعقيد الحالة الفلسطينية والتحديات الأمنية والسياسية التي ستواجه جميع الأطراف المعنية.
نتنياهو اعتاد استغلال أيّ ثغرة
يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أنّ موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم تأتِ عن قناعة، بل جرى انتزاعها تحت ضغط مباشر وفعّال من الإدارة الأمريكية، في وقت كان نتنياهو يسعى لمواصلة الحرب وتحقيق أهداف لم يتمكن من بلوغها.
ويؤكد عوكل أنّ موافقة نتنياهو العلنية كانت تخفي في جوهرها اعتراضاً مبطناً، سرعان ما ظهر منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، حين بدأ في افتعال ذرائع تتعلق بمسار الإفراج عن الأسرى والجثث.
وبحسب عوكل، فإن نتنياهو اعتاد استغلال أي ثغرة وإن تعذر وجودها فإنه يختلقها عبر روايات غير حقيقية، وهو ما يحدث حتى الآن وسيستمر وفق تقديره.
ويشير أنّه في حال عجز نتنياهو عن المناورة تحت ضغط ترمب، فإنه سيلجأ إلى فتح جبهة أخرى للتصعيد، سواء في الضفة الغربية أو لبنان أو سوريا، وربما حتى إيران. ويلفت عوكل إلى أنّ ترمب بدوره لن يسمح بانهيار خطته أو العودة إلى حرب واسعة، انطلاقاً من رؤيته لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي يضعها في أولوية مطلقة، حتى وإن تعارضت مع السلوك الإسرائيلي على الأرض.
ويرى عوكل أنّ السيناريو المرجح من جانب نتنياهو سيكون تطبيق النموذج القائم في جنوب لبنان، خاصة وأن المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية تنطوي على العديد من الألغام السياسية والقضايا المعقدة.
"مجلس السلام" لا يزال غامضاً
أما فيما يخص "مجلس السلام"، فيرى عوكل أنه ما يزال غامضاً من حيث التشكيل والصلاحيات، مشيراً إلى تصريح سابق لترمب كشف فيه عن وجود معارضة لتولي توني بلير دوراً قيادياً في المجلس، حين قال إن "هناك من لا يرغب أو لا يحب بلير".
ويشير عوكل إلى أنّ مستقبل المجلس وهويته سيبقيان مرهونين بمسار تنفيذ المراحل اللاحقة من الخطة، لكن المؤكد أن ترمب سيظل اللاعب الأساسي والمشرف المباشر على المسار، بما يعكس أولوياته الاستراتيجية التي تتجاوز رغبات نتنياهو ومناوراته السياسية.
ثلاث دلالات رئيسية للعودة إلى التصعيد
يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي، د. سهيل دياب، أن عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتصعيد في الفترة الأخيرة تحمل ثلاث دلالات رئيسية ترتبط بالمسارين السياسي والأمني داخلياً وخارجيّاً، وبالتوجهات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة وبالصراع حول مستقبل قطاع غزة.
وبحسب دياب، فإن الدلالة الأولى لهذا التصعيد تتمثل في سعي نتنياهو لإطالة أمد المرحلة الأولى من الترتيبات الميدانية والسياسية الجارية، وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية في الوقت الراهن، رغم الضغوط الدولية.
ويوضح أن نتنياهو يجد الذرائع المختلفة لتبرير ذلك، سواء عبر ملف الجثامين الإسرائيليين أو غيرها من المبررات، مشدداً على أن جوهر الموقف يتمثل في رغبة نتنياهو بتفادي الاستحقاقات التي ستفرضها المرحلتان الثانية والثالثة قبيل الانتخابات المقبلة، بهدف الوصول إلى الحكم مجدداً.
ويبيّن دياب أن هذا الموقف يتناقض مع الرؤية الأمريكية التي تسعى للتعجيل بالانتقال إلى المرحلة الثانية لأسباب داخلية، سواء على مستوى المجتمع الأمريكي أو داخل الحزب الجمهوري، في ظل استعداد الرئيس دونالد ترمب لانتخابات النصفية.
أما الدلالة الثانية، بحسب دياب، فهي داخلية إسرائيلية بامتياز، إذ ترتبط ببدء نتنياهو عملياً حملته الانتخابية المبكرة.
ويشير دياب إلى تسريبات تحدثت عن مؤتمر لحزب "الليكود" في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، لانتخاب مرشح الرئاسة المقبلة، حيث يعتزم نتنياهو الترشح.
ويلفت دياب إلى أن المعطيات ترجّح إمكانية تقريب موعد الانتخابات إلى منتصف أو ربيع العام المقبل بدلاً من أكتوبر 2026.
ويوضح دياب أن هذا التوجه يهدف إلى إظهار نتنياهو صورة القوة أمام قاعدته اليمينية المتطرفة وطمأنة أطراف الائتلاف الحاكم، في مواجهة الانتقادات الواسعة التي تؤكد أنه خاضع لتوجهات ترمب وغير مستقل في إدارة شؤون الحكومة.
وفي ما يخص الدلالة الثالثة، يعتبر دياب أنها تعكس محاولة نتنياهو إعادة التوازن بين المستويين الأمني والسياسي في إسرائيل، بعد عامين من النقاشات الحادة والخلافات الكبيرة بين المستويين، مشيراً إلى أن التصعيد الأخير أتاح فرصة، ولو محدودة، لاستعادة التفاهمات بين الطرفين.
ورداً على سؤال حول مستقبل الاتفاق القائم ووقف إطلاق النار، يستبعد دياب انهياره، مؤكداً أن الأسباب التي أفضت إلى التهدئة ما زالت قائمة، خاصة تلك المرتبطة بالاعتبارات الأمريكية الداخلية.
ويوضح دياب أن ما يمكن توقعه في المرحلة المقبلة هو استمرار حالة "الهدوء المتوتر" حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، دون عودة إلى "حرب الإبادة".
النموذج اللبناني في التعاطي الإسرائيلي مع غزة
وفي السياق، يشدّد دياب على أن النموذج اللبناني بات مرجعاً رئيسياً في التعاطي الإسرائيلي مع غزة، قائلاً: "إن المؤشرات واضحة عبر نحو 47 خرقاً رسمياً للاتفاق، إضافة إلى أكثر من 100 غارة خلال 24 ساعة فقط، ما يعادل نحو 150 خرقاً في يوم واحد".
ويرى دياب أن هذه السياسة مرشحة للاستمرار من المنظور الإسرائيلي، لكن الحسم بشأن مآلاتها سيبقى رهن مواقف الوسطاء العرب والمسلمين إلى جانب الموقف الأمريكي.
ويشير دياب إلى أن المرحلة الثانية ستشهد صراعاً حاداً بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تدفع باتجاه وضع غزة تحت وصاية أمريكية-بريطانية عبر ما يسمى "مجلس السلام" برئاسة ترمب، بينما تطرح الثانية إدارة فلسطينية تكنوقراطية من خلال لجنة مكوّنة من 15 شخصية فلسطينية، بدعم عربي ودولي.
أي وصاية أجنبية على غزة مصيرها الفشل
ويلفت دياب إلى أن الولايات المتحدة ستحاول تكريس "مجلس السلام" ومنحه صلاحيات واسعة، في حين ستعارضه الأطراف الفلسطينية والعربية والإسلامية إلى جانب قوى جدية في المجتمع الدولي، خاصة دول أوروبية غير بريطانيا، ترى أن المجلس المقترح سيهمش دورها.
ويؤكد دياب أن أي وصاية أجنبية على غزة مصيرها الفشل، مشدداً على أن القضية ليست مجرد شكل إدارة القطاع بل تتعلق بالمسار السياسي الأشمل نحو إقامة كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس العربية.
ويوضح دياب أن "مجلس السلام" يسعى مسبقاً إلى فصل الجغرافيا الفلسطينية بين غزة والضفة لإجهاض أي حلول سياسية بعيدة المدى على قاعدة حل الدولتين.
ويؤكد دياب أن كل المعطيات تشير إلى أن الصراع القادم سيتركز على هوية الجهة التي ستدير غزة، مع ترجيح فشل السيناريوهات الغربية الهادفة إلى فرض الوصاية، أمام إصرار الفلسطينيين ودعم الأطراف العربية والإسلامية لنهج الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية.
الحرب دخلت مرحلة جديدة بعيدة عن صورتها التقليدية
يرى الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أنّ مشهد الحرب في قطاع غزة دخل مرحلة جديدة بعيدة عن صورتها التقليدية الواسعة التي شهدتها الجولات السابقة.
ويشير مناع إلى أنّ واشنطن باتت الطرف الممسك فعلياً بزمام القرار في المنطقة، حيث تعمل الإدارة الأمريكية على إدارة الواقع ضمن حدود تحفظ استقراراً نسبياً وتمنع انزلاق الأوضاع في قطاع غزة نحو انفجار شامل.
وبحسب مناع، فإن ما يجري على الأرض في قطاع غزة يمكن وصفه بتحول الحرب إلى نمط "منخفض الكثافة"، يتمثل في عمليات محدودة، واغتيالات، وضربات جوية مركزة، بدل العودة إلى حرب شاملة مفتوحة.
ويشبّه مناع هذا النمط بما يجري في الجنوب اللبناني، حيث يُدار الصراع على شكل احتكاكات متقطعة دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى، ومن هذا المنطلق، فإن التصعيد الحالي لا يحمل بالضرورة دلالة العودة إلى الحرب التقليدية.
أما على الصعيد السياسي، فيؤكد مناع أنّ الحديث عن "مجلس السلام" المرتبط بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يُتوقع أن يحقق نجاحاً في المدى القريب، وذلك نتيجة الرفض الشعبي والعربي الواسع لأي مبادرة يتم تمريرها خارج الإطار الفلسطيني أو تتجاهل جوهر القضية الفلسطينية.
وبحسب مناع، فإن هذه الفكرة تواجه تحفظات من عدة دول عربية ترفض فرض تسويات سياسية بمعزل عن السلطة الفلسطينية ودون إشراكها في العملية.
إدارة للأزمة ضمن معادلة جديدة
ويرى أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد ترتيبات جزئية مرتبطة بإدارة قطاع غزة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي، على أن تتم هذه الترتيبات برعاية أمريكية وعربية وبموافقة إسرائيلية وفلسطينية محدودة.
ويشدد مناع على أنّ هذه السيناريوهات لا تعني بالضرورة حلولاً شاملة، بل مجرد إدارة للأزمة ضمن معادلة جديدة تعكس موازين القوى الراهنة.
ويشير مناع إلى أنّ مستقبل غزة لن يتحدد عبر حرب واسعة أو تسوية نهائية في الوقت الراهن، بل من خلال ترتيبات مؤقتة تدار ضمن إطار إقليمي ودولي يضمن استمرار السيطرة على مسار الأحداث.
د. عقل صلاح: الاتفاق القائم هش للغاية لكنه لن يقود إلى حرب جديدة بل سوف يفسره نتنياهو وفق منهج "الخروقات المتدرجة"
رسائل ذات أبعاد داخلية وإقليمية ودولية
يرى الكاتب والباحث السياسي د.عقل صلاح أن التصعيد الأخير الذي أقدم عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ثم تراجع عنه لاحقاً، لم يكن مجرد خطوة عابرة، بل يحمل ثلاث رسائل أساسية ذات أبعاد داخلية وإقليمية ودولية.
الرسالة الأولى -وفق صلاح- موجهة للداخل الإسرائيلي، حيث يسعى نتنياهو إلى إرضاء الأصوات المتطرفة داخل حكومته مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، في إطار دعاية انتخابية مبكرة.
وبحسب صلاح، فإن نتنياهو -الذي يخطط للترشح مجدداً عام 2026- يريد أن يثبت أنه "لا أحد يزاود عليه"، وأنه القائد القومي الذي يجمع بين صفتي "بطل الحرب وبطل السلام"، ما يمنحه أوراق قوة إضافية في مواجهة خصومه السياسيين.
أما الرسالة الثانية وفق صلاح، فهي موجهة إلى المقاومة والشعب الفلسطيني، وتتمثل في إصرار نتنياهو على تكريس واقع جديد يقوم على أن اليد العليا تبقى له، وأنه قادر على فرض إرادته في أي وقت وبالطريقة التي يراها مناسبة، مطالباً الفلسطينيين بالتسليم بهذا الواقع والتعايش معه.
ويشير صلاح إلى أن الرسالة الثالثة جاءت للوسطاء الإقليميين والمجتمع الدولي، إذ يحاول نتنياهو من خلالها فرض القبول بسياساته القائمة على الخروقات المتكررة، والدفع بالوسطاء للضغط على الفلسطينيين من أجل تقديم مزيد من التنازلات.
ويلفت صلاح إلى أن الاتفاق القائم هش للغاية، لكنه لن يقود إلى حرب جديدة، بل سيفسره نتنياهو وفق منهج "الخروقات المتدرجة"، عبر القصف والاغتيالات والحصار الجزئي والضربات المتقطعة، للحفاظ على مظهر الاتفاق أمام الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ولتحسين صورة إسرائيل دولياً.
وفي السياق ذاته، يرى صلاح أن نتنياهو يسعى لتطبيق نموذج "الحالة اللبنانية" على قطاع غزة، بحيث تصبح "غزة- لبنان 2"، أي التعامل معها بأسلوب مشابه مع وجود فروقات بسيطة، إذ لا يزال الاحتلال يسيطر على أجزاء كبيرة من القطاع.
ويستدل صلاح على ذلك بوقائع ميدانية، حيث لم تُحاسب إسرائيل على سبعة أيام من الخروقات التي أسفرت عن استشهاد 46 مواطناً وإصابة أكثر من 120 آخرين، إضافة إلى تقليص المساعدات الإنسانية، في وقت يُحمّل فيه المجتمع الدولي المقاومة المسؤولية عند وقوع أي هجوم ضد الجنود الإسرائيليين.
أما بخصوص "مجلس السلام" الذي يُروّج له ترمب، فيؤكد صلاح أنه ليس سوى امتداد لصفقة القرن، ويهدف إلى استكمال ما تبقى منها منذ سنة 2018، مركزاً على التطبيع العربي- الإسرائيلي وتعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية. ويرى صلاح أن هذا المجلس سيكون "واجهة شكلية لتبييض صورة إسرائيل"، لا يهدف إلى إيجاد حل جذري للقضية الفلسطينية أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل يسعى إلى حلول ترقيعية مؤقتة لإعادة إسرائيل إلى مشهد الدولة الديمقراطية المتحضرة، وهي صورة باتت مشوهة بعد السابع من أكتوبر 2023.
وبحسب صلاح، فإن جوهر ما يجري اليوم ليس مسار سلام حقيقي، بل محاولة لإعادة فرض إسرائيل كقوة مهيمنة في المنطقة، فيما يبقى الشعب الفلسطيني محروماً من حقوقه الأساسية وحقه المشروع في دولة مستقلة.
الاحتلال لم يلتزم مطلقاً باتفاقات وقف النار
يؤكد الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن التصعيد الإسرائيلي الأخير الذي شهدته غزة ثم التراجع عن بعض العمليات يعكس سياسة متسقة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، التي لم تلتزم على الإطلاق باتفاقات وقف إطلاق النار أو أي اتفاقات سياسية سابقة.
ويوضح دراغمة أن هذه الاتفاقيات غالباً ما تكون إسرائيل فيها إما مضغوطاً عليها أو تستخدمها لتحقيق أهداف قصيرة المدى، بينما يبقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حريصاً على استمرار الحرب وفق شروطه الخاصة.
ويشير إلى أن تصعيد نتنياهو يعكس موقفه الشخصي القائل إن الحرب على غزة لم تنته بعد، مؤكداً أن نتنياهو يسعى لتغيير شكل العمليات العسكرية دون إنهاء الحرب بشكل كامل، مستغلاً أي فرص لتحقيق أهداف عسكرية أو استهداف ما يصفه بالتهديدات المحتملة ضد جيش الاحتلال.
ويعتبر دراغمة أن سياسة التصعيد هذه تشمل الضفة الغربية أيضاً، حيث تُستخدم العمليات كوسائل ضغط وتهديد ضمن الإطار العام للأمن الإسرائيلي.
استمرار الاتفاق مرتبط بشكل أساسي بترمب
وحول إمكانية انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يوضح دراغمة أن استمرار الاتفاق مرتبط بشكل أساسي بالإدارة الأمريكية، ورئيسها دونالد ترمب، وليس بقرارات نتنياهو وحده.
ويرى دراغمة أن وقف الحرب سيستمر رغم الخروقات الإسرائيلية المتكررة، التي تشمل عمليات تصعيد واغتيالات محدودة وقصف جوي، لكنها لن تصل إلى مستوى العودة للحرب الشاملة التي شهدتها المراحل السابقة.
ويتطرق إلى احتمالية اعتماد النموذج اللبناني في غزة، مشيراً إلى أن التجربة اللبنانية تشمل عمليات قصف محدودة ووجود مناطق عازلة، وهو ما يبدو مرجحاً أن يتبعه الاحتلال في قطاع غزة.
ويعتقد دراغمة أن الحديث عن حرب شاملة سيكون محدوداً مقارنة بالنموذج اللبناني، لكنه سيعكس نفس فلسفة السيطرة الأمنية والإقليمية على الأراضي الفلسطينية.
"مجلس السلام" إطار غير واقعي
وفيما يتعلق بمجلس السلام الذي سيترأسه توني بلير ضمن "خطة ترمب"، يصفه دراغمة بأنه إطار غير واقعي، مشيراً إلى أن نجاح أي إدارة لهذا المجلس يتطلب وجود طرف فلسطيني قوي ورضا شعبي في الشارع الفلسطيني، وإلا فإن أي بديل آخر سيكون معرضاً للانهيار بسرعة.
ويوضح دراغمة أن حركة حماس، رغم تضررها الشديد منذ السابع من أكتوبر 2023، قد تلعب دوراً غير مباشر في إدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة، ما يعكس استمرار تأثير الفصائل الفلسطينية في تحديد المشهد الأمني والسياسي بعد الحرب.
ويعتقد دراغمة أن المرحلة المقبلة في غزة ستشهد إدارة متدرجة للصراع، مع استمرار الضغط العسكري والسياسي، دون الوصول إلى حرب شاملة، مع إبقاء سيطرة الاحتلال وأدواته في قلب إدارة قطاع غزة مستقبلياً، وفق مش "اليوم التالي للحرب".





شارك برأيك
خرق الاتفاق.. ترمب يضبط الإيقاع ولن يسمح بعودة الحرب