استحالة تحقيق الاستدامة في فلسطين في ظل الاحتلال الإسرائيلي ... الاحتلال لا يدمّر الحاضر فقط، بل يسلب الفلسطينيين حقهم في المستقبل
بينما تتحدث الأمم المتحدة عن «أجندة 2030 للتنمية المستدامة»، يعيش الفلسطينيون واقعًا نقيضًا تمامًا. فالاستدامة لا تُبنى تحت الاحتلال، ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في أرض تُهدم فيها البيوت، وتُحاصر فيها الموارد، وتُقصف فيها المدن. إن الاحتلال الإسرائيلي الفوق عدائي لا يترك مجالًا لبناء اقتصاد مستقر أو بيئة سليمة أو مجتمع قادر على الحياة بكرامة.
اقتصاديًا، يعيش الفلسطينيون تحت خنق ممنهج. أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية تقع ضمن منطقة “ج” التي تسيطر عليها إسرائيل بالكامل، ويُمنع الفلسطينيون فيها من البناء أو الاستثمار أو تطوير الزراعة. حتى مشاريع الطاقة الشمسية، التي تمثل مستقبل الاستدامة، تُزال أو تُصادر معداتها بذريعة «عدم الترخيص». أما غزة، فهي النموذج الأوضح لانهيار مقومات التنمية؛ ثمانية عشر عامًا من الحصار، وثلاث حروب مدمّرة خلال عقد واحد، حوّلت القطاع إلى منطقة منكوبة اقتصاديًا وإنسانيًا. الحرب الأخيرة وحدها دمّرت آلاف المنازل والمنشآت الحيوية، وخلّفت خسائر بمليارات الدولارات، وأعادت البنية التحتية عشرات السنين إلى الوراء. كيف يمكن بناء تنمية مستدامة في منطقة تُقصف فيها المدارس ومحطات المياه والمستشفيات في يوم واحد؟
بيئيًا، الواقع لا يقلّ قسوة. الاحتلال يحتكر أكثر من 80% من مصادر المياه الجوفية في الضفة، تاركًا القرى الفلسطينية تعاني العطش فيما تُروى المستوطنات بلا قيود. في غزة، 97% من المياه غير صالحة للشرب بحسب تقارير الأمم المتحدة، ومياه الصرف الصحي تُضخ إلى البحر يوميًا بسبب الحصار ومنع دخول المواد اللازمة لمعالجة المياه. أما في الضفة، فاقتلاع الأشجار، وردم الآبار، ورمي النفايات الإسرائيلية قرب التجمعات الفلسطينية، كلها سياسات ممنهجة تدمّر البيئة وتقوّض فرص التنمية الزراعية. كيف يمكن الحديث عن استدامة بيئية في أرض تُستنزف مواردها لصالح مستوطنات غير شرعية؟
اجتماعيًا وسياسيًا، يعيش الفلسطينيون حالة تفكك قسري. أكثر من 600 حاجز عسكري تمزّق الضفة الغربية وتعزل المدن عن بعضها، وتحرم الطلاب والمرضى من حرية التنقل. الانقسام الجغرافي بين الضفة وغزة، والقيود على القدس الشرقية، تُضعف وحدة المجتمع الفلسطيني وتخلق جيلاً يعيش محاصرًا داخل كانتونات مغلقة. يضاف إلى ذلك حجز أموال المقاصة الفلسطينية التي تُستخدم كورقة ضغط سياسية، فتُحتجز أو تُقتطع متى شاءت إسرائيل، لتخلق أزمة مالية دائمة تعيق أي تخطيط حكومي أو استقرار اجتماعي.
النتيجة أن الفلسطينيين يُطلب منهم تحقيق التنمية المستدامة وهم محرومون من السيادة على الأرض والموارد والقرار. لا يمكن بناء مؤسسات قوية أو استقرار سياسي في ظل احتلال يتحكم بالمعابر والضرائب والحدود وحتى هوية السكان. كل مشاريع الإعمار تصبح «ترميمًا مؤقتًا» في انتظار العدوان التالي، وكل خطط التنمية تُجهض قبل أن تبدأ.
الاستدامة الحقيقية ليست مؤتمرات أو شعارات أممية؛ إنها حرية وعدالة وسيادة.
وفي فلسطين، ما دام الاحتلال قائمًا، ستبقى التنمية مؤجلة والاستدامة مستحيلة.
فالحرية ليست شرطًا جانبيًا للتنمية، بل هي أساسها الأول.
لا استدامة بلا سيادة، ولا سيادة تحت الاحتلال.
أقلام وأراء
الأحد 19 أكتوبر 2025 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس
استحالة تحقيق الاستدامة في فلسطين في ظل الاحتلال الإسرائيلي
دلالات
حاتم ابوجابر قبل 8 شهر
نابلس - فلسطين
🇵🇸
أحسنت واجدت





شارك برأيك
استحالة تحقيق الاستدامة في فلسطين في ظل الاحتلال الإسرائيلي