أقلام وأراء

الخميس 16 أكتوبر 2025 8:31 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يعود إلى الشرق الأوسط: زيارة على تخوم الرماد والذاكرة

1. المقدمة: المسرح ذاته... لكن الممثل تغيّر

كلما هدأت طبول الحرب في الشرق الأوسط، انطلقت أبواق السياسة تعلن ولادة "مرحلة جديدة".

وهكذا يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى المنطقة، لا بوصفه حاملَ سلام، بل بوصفه حاملَ خطابٍ يريد أن يُعيد ترميم الدور الأمريكي المنهك في زمنٍ لم يعد يصدّق الشعارات.

يأتي ترمب إلى الشرق لا ليُصلح كسور التاريخ، بل ليعيد هندسة الخرائط، كمن يرمّم بيتًا لم يسكنه يومًا، لكنه يصرّ على أن مفاتيحه بيده.

الزيارة ليست حدثًا عابرًا، بل انعكاسٌ لجوهر العلاقة المختلّة بين الغرب والشرق: علاقة تقوم على الوعد والخذلان، على الخطابة والدم، على سلامٍ يُطبخ في العواصم بينما الناس يموتون في المخيمات.

2. الهدنة كقناعٍ للخراب

الهدنة التي تُقدَّم اليوم بوصفها إنجازًا دبلوماسيًا، ليست سوى قناعٍ جديدٍ لحربٍ لم تنتهِ بعد.

غزة لم تنم بعد على وسادة الأمان؛ فالشوارع ما زالت ممتلئة بالأطلال، والقلوب مثقوبة بالخوف، والأرض لم تفرغ من الشهداء.

ما يُسمّى "تهدئة" هو في جوهره "تجميدٌ للدم" لا أكثر، بانتظار الجولة التالية.

ومع ذلك، فثمة شعوب تتشبّث بأي هدنةٍ كما يتشبث الغريق بخشبةٍ في بحرٍ لا نهاية له.

في هذا المشهد المأساوي، يدخل ترمب بوصفه "المنقذ"، بينما يعرف الجميع أن المنقذ الحقيقي هو من يملك القدرة على وقف المأساة، لا على إدارتها.

3. السياسة الأمريكية: من الهيمنة إلى إدارة الرماد

منذ الحرب الباردة حتى اليوم، لم تتغيّر فلسفة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط:إدارة الصراع لا حله، إدامة التوتر لا إزالته. اليوم، يحاول ترمب أن يعيد إنتاج تلك الفلسفة القديمة بثوبٍ جديد: سلام اقتصادي، تطبيع واقعي، وإعمار مشروط بالولاء.

كأنما يقول للعرب: "خذوا مشاريع، وامنحوني صمتكم".

لكنّ العرب تغيّروا أيضًا. فثمة وعي جديد يتشكل في الشوارع المهدّمة، في وعي الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، في جيلٍ يرى بأمّ عينيه أن العدالة لا تأتي من الخارج، وأن كل اتفاق لا يُبنى على الكرامة مصيره التصدّع.

4. ملامح المشهد الإقليمي: شطرنج على صفيحٍ ساخن

المنطقة اليوم ليست كما كانت: مصر المثقلة بالاقتصاد والعبء الإنساني، تمشي على حبلٍ دقيق بين الوساطة والإنهاك.

قطر تتقن لعبة التوازن بين العواطف العربية والبراغماتية الدولية.

السعودية تراقب المشهد من بعيد، حذرة من أن تُستدرج إلى طاولة لا تملك فيها سوى التمويل. أما إيران فتنتظر في الظلال، تُراكم الأوراق وتختبر الأعصاب.

الكلّ يتحرك ضمن رقعة شطرنجٍ واحدة، بينما ترمب يحاول أن يُمسك بالملف من جديد، كمن يريد إعادة ترتيب القطع قبل نهاية اللعبة.

5. البعد الرمزي: من يملك الحكاية؟

ليست زيارة ترمب مجرد رحلة سياسية؛ إنها فصلٌ جديد من صراع السرديات.

الغرب يريد أن يكتب رواية "السلام الأمريكي"، والعرب يريدون أن يستعيدوا رواية "الحقّ التاريخي"، بينما الفلسطينيون وحدهم يعيشون الرواية بكلّ تفاصيلها:

وجعًا، وحرمانًا، وذاكرةً لا تموت.

منذ سايكس وبيكو، مرورًا بأوسلو، وصولًا إلى "صفقة القرن"، ظلّ الشرق الأوسط مختبرًا لأحلام الآخرين.

واليوم، في ظلّ الخراب، يريد ترمب أن يُثبت أن التاريخ يمكن أن يُعاد كتابته ببيانٍ صحفي وصورةٍ أمام الكاميرات.

لكن التاريخ، كما علّمنا، لا يُكتب إلا بدم الذين لم تُسمع أصواتهم.

6. هل يمكن أن يولد سلامٌ من رحم الشك؟

يقول المتفائلون إن الزيارة قد تفتح بابًا جديدًا، وإن الهدنة قد تتحول إلى بداية مسارٍ سياسي أكثر نضجًا.

لكنّ السؤال الحقيقي: من يملك الإرادة لتغيير جوهر المعادلة؟

السلام لا يُبنى على الصفقات، بل على الاعتراف المتبادل بالكرامة والحق.

ولا يُقاس بعدد المؤتمرات، بل بقدرة أمٍّ واحدة على أن تودّع ابنها وهي تعلم أنه لم يُقتل عبثًا.

7. خاتمة: بين الذاكرة والخرائط

ترمب سيغادر المنطقة كما جاء، محاطًا بالكاميرات، بالتصفيق، وبوعودٍ تُكتب على الرمال.

لكنّ المنطقة ستبقى كما هي، تبحث عن ضوءٍ آخر، عن زمنٍ لا يكون فيه "السلام" مرادفًا للسكوت، ولا "الاستقرار" غطاءً للخوف.

قد لا تغيّر هذه الزيارة مصير الشرق الأوسط، لكنها تكشف لنا مجددًا عن سرٍّ قديم: أن التاريخ لا يصنعه الأقوياء وحدهم، بل أولئك الذين يملكون القدرة على الحلم وسط الركام.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يعود إلى الشرق الأوسط: زيارة على تخوم الرماد والذاكرة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.