أقلام وأراء

الخميس 16 أكتوبر 2025 8:23 صباحًا - بتوقيت القدس

من زمن المقاومة إلى زمن المسؤولية !

توقفت المعركة، لكن الحرب لم تنته، دخلت طورا أشد تعقيدا وخطورة، فالميدان الذي كان يشتعل بالنار والحديد، تحول الآن الى ساحة اختبار وعي، حيث تقدم التحديات الداخلية على الخارجية، وتبدأ معركة البقاء الأخلاقي والسياسي، والحفاظ على الذات ووحدة الاتجاه.

 ما جرى في غزة لم يكن مجرد فصل عسكري في معركة تحرر طويلة، بل تحول تاريخي في الوعي الجمعي، الفلسطيني والعالمي معا، فالقضية التي حاول الاحتلال طمسها لعقود، عادت لتتصدر المشهد العالمي، وأعادت تعريف مفهوم العدالة في زمن تتآكل فيه القيم، هذا الانجاز، حتى لو بدا للبعض رمزيا او معنويا، فهو لا يكتمل الا بإدارة الجبهة الداخلية التي كانت دائما سر الصمود، وكانت دائما وقود المعركة ومحركها.

 المرحلة التالية ليست استراحة، بل امتحان، بعد المعركة هناك لحظة دقيقة، تفصل بين الانتصار والانكسار، بين ان تتحول إلى طاقة بناء أو فوضى، التجارب الثورية علمتنا انها لحظة هشاشة كبرى ايضا، وقد تتحول الى العدو الاول، فالانتصار الحقيقي هو القدرة على تحويل الغضب إلى وعي، والدم إلى نظام، والتضحيات إلى مشروع وطني جامع.

 الاحتلال - ومعه أدواته - يدرك ذلك جيدا، ويراهن عليه أكثر من الحرب ذاتها، فتجده انتقل من المواجهة المباشرة الى إدارة التفكك الداخلي، لأنه يعلم ان القنابل لا تقتل كما تقتل الفوضى، فيحرك ماكينته الإعلامية والسياسية لتغذية الشكوك، وتشويه الصورة، وخلق ثغرات في النسيج المجتمعي، لتحويل الواقع الى عبء سياسي، انها الحرب الصامتة، التي لا يسمع فيها صوت المدافع، ولهذا فان الرد الاكثر ذكاء لا يكون بالبيانات والانفعالات، بل بالتماسك والانضباط، فالحماية الداخلية تتطلب تحصينا خارجيا.

 كل ثورة تواجه بعد الحرب سؤال العدالة؛ هل نبحث عن الانتقام أم عن الوعي؟ التجارب التاريخية علمتنا ان الشعوب لا تشفى بالعقاب وحده، بل بالقدرة على بناء سرديتها، وان العدالة التي لا تقوم على فهم التاريخ تتحول الى دورة من الفوضى، لذلك، فان التحدي اليوم هو الموازنة بين الصرامة والانفتاح، بين الحسم والمراجعة، لتبقى البوصلة متجهة نحو الهدف.

 وبالتالي، فان القانون الثوري، الذي ولد في سياقات التحرر، لم يكن يوما سيفا على الرقاب، بل بوصلة تضبط الغضب في مساره الصحيح، فهو ليس مجرد أداة عقاب، بل فعل وعي تاريخي، يهدف الى صون الذاكرة من التشويه، وكما علمتنا التجارب، فالمحاسبة ليس غايتها الانتقام من الخونة، بل حماية الذاكرة من ان تضل طريقها وسط الركام، لان العدالة هنا ليست قضائية بالمعنى الضيق، بل تاريخية بالمعنى الأوسع، تحفظ للحركة الوطنية وجهها الانساني امام التاريخ والعالم، فالعدالة الثورية هي روحها، تمنع الانفلات، وتضع كرامة الانسان في قلب المعركة، لأنها تعي ان القيم لا تقل وزنا عن البنادق في معادلة النصر.

 في هذه اللحظة، وكما صمدت في وجه الاحتلال، عليها بناء نموذجها، فالمقاومة ليست فعلا عسكريا فقط، بل رؤية شاملة تبني الانسان وتؤسس لوطن يليق بتضحيات الشهداء، ما يتطلب إدارة الظرف الراهن بعقل بارد وقلب حار، يوازن بين واجب الحسم والتوثيق، وبين حق الردع والعدالة، فما وثقته بالأمس عشناه حاضرا، وما توثقه اليوم سيقرأ غدا كتاريخ.

 لقد خرجت غزة من تحت الركام أكثر وعيا وصلابة، لكن بقاءها كذلك يفرض إبراز أوجه بصيرتها، وحمايتها من محاولات الاختراق، وتحويل اي فوضى ممكنة او مفتعلة الى تنظيم، والدمار الى طاقة إعمار، والغضب الى وعي جماعي منضبط، فالمعركة القادمة ليست على الحدود بقدر ما هي في الوعي والنظام والوحدة؛ ومن يربحها سيكتب فصلا جديدا في تاريخ فلسطين، لا بالسلاح وحده، بل بالقدرة على تحويل الوجع الى مشروع وطني، سينتصر ولو بعد حين.

دلالات

شارك برأيك

من زمن المقاومة إلى زمن المسؤولية !

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.