في عام 2025، صدرت سلسلة من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، خصوصًا من دول أوروبا الغربية. وإذا كانت تمثل مكسبًا سياسيًا ومعنويًا لا يمكن إنكاره للفلسطينيين، فإنها في الوقت ذاته تثير أسئلة معقدة وتنطوي على بعض المخاطر.
لسنوات عديدة، كان الخطاب الرسمي الأوروبي يربط أي اعتراف بدولة فلسطين بنتائج المفاوضات مع إسرائيل، أي بشرعية فلسطينية تعتمد على موافقة القوة القائمة بالاحتلال. أما اليوم، ومع تسارع الاستيطان في الضفة الغربية واستمرار الحرب في غزة وغياب أي أفق حقيقي للعملية السياسية، اضطرت بعض الدول الغربية إلى كسر هذه القاعدة القديمة والإقدام على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولو بشكل رمزي أو مشروط.
يمثل هذا الاعتراف مكسبًا سياسيًا ومعنويًا للفلسطينيين، لكنه يطرح أيضًا تساؤلات أساسية: كيف سيؤثر على مكانة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها التي تعاني منذ سنوات؟ هل سيفتح هذا الاعتراف أفقًا جديدًا للمشروع الوطني الفلسطيني أم أنه سيحوّله إلى كيان رمزي دون سيادة فعلية، شبيه بنموذج فرسان مالطا، المعترف بهم دوليًا لكن دون سيطرة على أراضٍ أو موارد؟
من وجهة نظر القانون الدولي، فإن هذا الاعتراف يعدّ خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ إن المقررة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانسيسكا ألبانيز، أوضحت أن الاعتراف بدولة فلسطين لا يجب أن يُربط بنتائج المفاوضات مع إسرائيل، لأن الاحتلال بحد ذاته يشكل انتهاكًا للقانون الدولي. فالاحتلال العسكري عمل غير قانوني، ويتعارض مع القواعد الدولية، وعلى الدول أن تتخذ إجراءات فورية لإنهائه دون انتظار المفاوضات. الاستمرار في ربط الاعتراف بإنهاء الاحتلال يعني عمليًا شرعنته وإطالته، وهو ما يعزز منطق القوة على حساب القانون.
أما إسرائيل والولايات المتحدة، فقد أدركتا منذ زمن خطر المسار الفلسطيني الدولي، خصوصًا بعد حصول فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012، وانضمامها إلى منظمات مثل محكمة العدل الدولية واليونسكو. وردت واشنطن على ذلك بسلسلة من العقوبات، منها: رفض تحويل الأموال المستحقة للفلسطينيين، تقييد المساعدات المالية، والتشكيك في شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، المصنّفة أصلًا كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة.
أما إسرائيل، فقد اتبعت سياسة تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، بوضعها في موقف حرج. ففي عام 2016، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق بيغين أن “السلطة كنز أمني، وحماس كنز استراتيجي”، ما يعني أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء السلطة ككيان يعتمد عليها اقتصاديًا وأمنيًا دون أن تكون ذات سيادة حقيقية.
هذه السياسة انعكست بوضوح في المجال المالي؛ إذ تتحكم إسرائيل في نظام المقاصة الذي يولّد حوالي 65% من إيرادات السلطة الفلسطينية. وبدلاً من تحويل كامل الأموال كما ينص عليه “بروتوكول باريس”، تحتجز إسرائيل جزءًا منها (حوالي 3%)، وتخصم منها ما تدّعي أنه مخصص لأسر الشهداء والأسرى، وهو ما تستخدمه كأداة ضغط سياسية واقتصادية. نتيجة لذلك، لم تتمكن السلطة في عام 2025 من دفع رواتب موظفيها بالكامل، ولم تسدد سوى 35% منها، مما أدى إلى شلل في قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة.
ملف: الحُكم الفلسطيني
في ظل البقاء القهري، تصبح الهوية الجماعية قابلة للاستبدال، وتُسلب الحقوق السياسية بشكل لا يمكن تصوره.
في الضفة الغربية، يؤدي مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات إلى تحويل الأرض إلى متاهة من الحواجز والمناطق المعزولة، مما يجعل ممارسة السيادة أمراً مستحيلاً.
في القدس، يمكن إلغاء حقوق الإقامة في أي لحظة.
وفي المنفى، يبقى ملايين اللاجئين بلا جنسية، إذ يُحرمون من حق العودة رغم وضوح هذا الحق في القانون الدولي.
تشكّل هذه الحالات معاً استراتيجية منهجية لتفتيت الشعب الفلسطيني، لتجنّب تكوين هوية سياسية متماسكة، ولإضعاف المطالبة بحق تقرير المصير. فهم هذه الاستراتيجية يعني إدراكها كجزء من مشروع استعماري شامل.
على عكس الاحتلالات العسكرية التقليدية المؤقتة، فإن الاستعمار الاستيطاني يهدف إلى السيطرة الدائمة من خلال محو الوجود الأصلي. فالحواجز والجدار والمستوطنات ليست مجرد أدوات أمنية، بل آليات سيطرة تهدف إلى خنق التطلعات الوطنية الفلسطينية. ومن هنا تأتي إصرار الفلسطينيين على القول إن نضالهم ليس فقط من أجل أرض، بل من أجل الكرامة والمساواة والاعتراف بإنسانيتهم.
القانون الدولي يعترف بأن هذه الممارسات غير قانونية. فحق الجنسية هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ولا يجوز حرمان أي شخص منه تعسفاً. ومع ذلك، فإن “الاستثناء الفلسطيني” أصبح قاعدة متوارثة عبر الأجيال: اللاجئ في لبنان أو الأردن بلا جنسية، والمقيم في القدس يمكن أن يفقد حقه في الإقامة في أي وقت، والطالب الفلسطيني في الخارج قد يُحرم من العودة. هذا ليس فقط ظلماً قانونيًا، بل جرحًا عميقًا ومستمرًا في الكيان الإنساني الفلسطيني، إذ يُحرم من الحماية والفرص التي تصاحب المواطنة.
يُظهر التاريخ أن الاعتراف الدولي لا يأتي قبل التحرر، بل بعده. فشعوب كثيرة نالت اعتراف العالم بعد تحررها — مثل الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي، والجنوب أفريقيين ضد نظام الأبارتهايد، والناميبيين ضد الاحتلال — فالعالم لم يعترف بهم قبل أن يصبحوا أحرارًا. ما تغيّر ليس القانون، بل موازين القوة، وليس القرارات المنعزلة، بل الضغط والعقوبات والعزلة والتعبئة الشعبية التي أنهت الاحتلال.
تعيش فلسطين اليوم في مفترق مشابه. الاعتراف بدولة فلسطين يحمل قيمة رمزية، لكنه لا يكفي لإنهاء الاحتلال أو لوقف التوسع الاستيطاني أو لضمان حق اللاجئين بالعودة. إذا لم يُترجم هذا الاعتراف إلى خطوات عملية، فسيبقى وهماً لا تحرراً. على أوروبا أن تدرك أن كلماتها ليست بديلاً عن العدالة.
تُعلن الدول الأوروبية مرارًا دعمها للقانون الدولي وحقوق الإنسان والتعددية، لكن هذه المواقف تبقى جوفاء طالما أنها تواصل التعامل مع إسرائيل كقوة فوق القانون. الاعتراف يجب أن يكون التزامًا عمليًا: مقاطعة المستوطنات، دعم المساءلة الدولية، والدفاع عن الأصوات الفلسطينية المقموعة باسم الأمن.
الاعتراف بفلسطين يحمل واجبات، لا مجرّد رموز. فحتى لا يتحول إلى تواطؤ، على أوروبا أن تتجاوز الخطابات إلى الأفعال: أن تربط علاقاتها مع إسرائيل باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وأن تدعم لجوء الفلسطينيين إلى المحاكم الدولية.
في هذا السياق، يجب الاعتراف بأن الفلسطينيين لا يطلبون معاملة استثنائية، بل تطبيق القانون الدولي نفسه الذي يُفترض أن يحكم العالم. إنهم لا يطالبون بامتيازات، بل بالحد الأدنى من الكرامة والحقوق.
القضية ليست قضية إنسانية فحسب، بل سياسية أيضًا. الاعتراف ليس غاية، بل وسيلة لتحقيق الحرية. الجنسية ليست مجرد ورقة أو علم، بل تجسيد للحق في تقرير المصير. بالنسبة للفلسطينيين، النضال من أجل هذا الحق مسألة وجودية — مسألة مساواة وعدالة.
إنه نضال أمل، لا رمزية فارغة. الاعتراف الحقيقي لا يكون مجرد شعار، بل التزام بتحرير الأرض والإنسان. يجب أن يكون مرتبطًا بإنهاء الاحتلال لا بإدارته.
إن خيار أوروبا حاسم: إما أن تواصل الاكتفاء بالتصريحات الرمزية، تاركة الفلسطينيين في دوامة النزع التدريجي من أرضهم وحقوقهم، أو أن تجعل من الاعتراف أداة لتغيير حقيقي، بتحويل المبادئ إلى أفعال ملموسة.
اختيار العدالة يعني الوقوف إلى جانب فلسطين بصدق، لإصلاح القانون الدولي الذي جرى تقويضه. تقرير المصير ليس رفاهية، والجنسية ليست خيارًا. فبالنسبة للفلسطينيين، كما لكل الشعوب، هما أساسا الحرية. وأمام الإبادة، هما شروط البقاء.
أ. لمى نزيه
محامية من أجل حقوق الفلسطينيين





شارك برأيك
الاعترافات الغربية بفلسطين: بين الفرص والمخاطر