في شرم الشيخ، كانت القاعة غارقة في الأضواء لتغطي ظلام المعنى، حضر الزعماء، وتبادلوا الابتسامات، وغابت فلسطين بكل ما تمثله من جرحٍ مفتوح، لم يكن غياب فلسطين عن جدول الأعمال صدفة، بل كان قرارا محسوبا، أرادوا رئيسا في الصورة، لا قضية في الجوهر، حضورا يغطي عجزهم الجماعي، تلك لحظة سقط فيها القناع عن خطاب يدّعي دعم الحق، بينما يمارس شراكة صامتة بدفنه، لم يكن المشهد عن السلام او العدالة، بل عن ترويض الضمير، وإعادة الاصطفاف، لكن هذه المرة على مقاس القوة لا الحق.
ترامب كان نجم القاعة بلا منازع، يتبختر بين الكاميرات ويمازح الجميع، وكأن أنهار الدم التي سالت في غزة لم تبدل نغمة التصفيق في القاعات، وقبل القمة بسويعات، اعتلى منبر "الكنيست" في القدس، قلب العالمين العربي والاسلامي، وألقى خطابا طويلا، حُيي بالتصفيق الحار مرات ومرات، كأنه عائد منتصر من معركة "مقدسة"، تحدث عن التحالف الأبدي مع الاحتلال، وعن الأسلحة الامريكية التي زوده بها، وتباهى بانها لم تستخدم "عشوائيا"، بل "بدقة" و"حرفية"، ولكن أي دقة؟ التي دمرت المستشفيات والمخابز والمدارس؟ او مزقت أجساد الأطفال والنساء تحت أنقاض غزة؟ وأحرقت ما تبقى من قيم إنسانية في هذا العالم؟ وهكذا تحولت لغة القتل إلى مفردات هندسية، وفعل الإبادة الى “إنجاز" تقني.
في شرم الشيخ وفي القاعة نفسها، جرى تلميع صورة "اسرائيل الجديدة" بوصفها شريك سلام، رغم انها تُحكم اليوم بأكثر الحكومات تطرفا في تاريخها، بل لم يعد فيها سوى المتطرفين، والأشد تطرفا، وبينما يطلب من الفلسطيني ان يكون مسالما وهو يباد، عاقلا وهو يقتلع من ارضه، متزنا وهو يشيّع اطفاله، صفق الحاضرون، لم يعترض او ينسحب أحد، ولم يكسر الصمت ولو بكلمة واحدة، وكأن الدم الفلسطيني صار تفصيلا في خطاب العلاقات العامة.
القمة لم تكن منصة لمساءلة الجريمة، بل لحماية مرتكبها، كان المطلوب ان يمر المشهد بسلام؛ صورة جماعية، بيانات محسوبة على الإيقاع لا الحقيقة، ووعود فارغة عن "اعادة الاعمار"، وكأن هذا الدمار ليس جريمة، بل "خطأ تقني" يمكن اصلاحه بالمنح، هذا هو الانحدار حين يصبح الحديث عن الاعمار بديلا للعدالة.
الأنكى ان الفلسطيني في هذه اللحظات يُطالب بالانقسام أكثر، لا بالوحدة، يُستدرج الى معارك داخلية لتدمير ذاته، بينما يواصل الاحتلال مهمته "التاريخية" بهدوء، فالحصار السياسي والمالي يُقدم كأداة تأديب، لا كجريمة حرب، وكأن المطلوب ليس إنهاء الاحتلال، بل اعادة صياغة "الفلسطيني الجديد"، بصورة مقبولة غربيا، تتقبل الاحتلال، بل وأكثر من ذلك، وتتعايش معه.
أما الخطاب الرسمي العربي، فصار يتحدث بلغة تبريرية باهتة، كلمات "تحفظ" ماء الوجه، لكنها لا تنقذ وجها واحدا من تحت الركام، حتى ان حضور الرئيس الفلسطيني في القمة لم يكن موقفا عربيا سياديا، بقدر ما كان استجابة لضغط شكلي، فأريد له ان يكون شاهدا لا فاعلا، وان تذكر فلسطين في النصوص الصغيرة، بينما تقصى عمدا في السياسات الكبرى.
وبالتالي، فان قمة شرم الشيخ لم تكشف فقط عن غياب الإرادة، بل عن سقوط المعايير والقيم معا، حين يقف العالم مصفقا لمن قدم السلاح للجلاد، فهو لا يرتكب خطأ دبلوماسيا، بل جريمة أخلاقية مكتملة الأركان، وحين تصمت المنابر العربية امام دم يراق على مرأى منها، فهي لا تحافظ على الاستقرار كما تزعم، بل تشارك في دفنه.
لقد كانت قمة شرم الشيخ إعلانا جماعيا عن موت العدالة، ففلسطين لم تغب، بل أُقصيت عمدا، لان حضورها يذكر الجميع بما لا يريدون الاعتراف به، وبالحق الذي يفضحهم، فلا تقاس بحضورها في القاعات، بل بقدرتها على الوقوف في وجه هذا الصمت، تتكلم من تحت الركام، وتذكرهم بأن الدم لا يمحى بالتصفيق، لا تطلب سوى عدالة لا تحتاج ترجمانا، او تقاس بميزان المصالح.





شارك برأيك
قمة شرم الشيخ... حين صفق العالم للجلاد