وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب ، قادة حركة حماس بأنهم "مفاوضون جيدون وأقوياء جدا وأذكياء"، وذلك بعد التوصل لاتفاق مع إسرائيل لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في قطاع غزة.
جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده ترمب، مساء أمس الجمعة، في البيت الأبيض رد فيه على سؤال عن الضمانات التي قدمها لحماس لإقناعها بأن إسرائيل لن تستأنف القصف بمجرد استعادة أسراها قائلا "تحدثت بلهجة قوية، فالعالم هناك قوي، وحماس أناس أقوياء جدا وأذكياء ومفاوضون جيدون".
في عالم السياسة، لا تُبنى قرارات التفاوض دائمًا على شرعية دولية أو اعتراف قانوني، بل على موازين القوى الفعلية وقدرة الأطراف على التأثير وتغيير المعادلة. من هذا المنطلق، تبدو العبارة التي تتردد في الأوساط السياسية والإعلامية: "لو لم تكن حركة حماس قوية وفعالة لما فاوضها أحد"، توصيفًا واقعيًا لا يمكن تجاهله، بغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة للحركة.
فعلى مدار السنوات الماضية، أثبتت حركة حماس أنها طرف فاعل في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ليس فقط عبر خطابها السياسي أو شعبيتها في الشارع الفلسطيني، بل من خلال امتلاكها أدوات فعل وتأثير حقيقية، خاصة على المستوى العسكري والأمني. منذ عام 2007، حين سيطرت على قطاع غزة، تحولت حماس من مجرد فصيل مقاوم إلى سلطة أمر واقع تدير حياة أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، وتتحكم في مسار الأحداث اليومية، سواء في وقت السلم أو الحرب.
عسكريًا، طوّرت حماس قدرات قتالية ملحوظة، تمكنت من خلالها من مفاجأة خصومها أكثر من مرة. وقد كانت عملية "طوفان الأقصى" في تشرين الأول 2023 أبرز تجليات هذه القوة، حيث أظهرت قدرة التنظيم على التخطيط، والمبادرة، وتجاوز الحدود التقليدية في المواجهة. ولعل ما يلفت النظر أن إسرائيل، رغم تصنيفها حماس كـ"منظمة إرهابية"، وجدت نفسها مضطرة للتفاوض معها في أكثر من مناسبة، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين مثل مصر وقطر.
هذا النوع من التفاوض لا ينبع من اعتراف سياسي بشرعية الحركة، بل من إدراك واقعي بأنها الطرف الوحيد القادر على ضبط الأوضاع الأمنية في غزة أو تفجيرها. فالتفاوض هنا ليس مجاملة ولا تنازلًا، بل ضرورة تفرضها الوقائع الميدانية.
سياسيًا، لا تزال حماس تستند إلى شرعية انتخابية حصلت عليها في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، وهو ما منحها غطاء شعبيًا وجماهيريًا لم يتآكل رغم الخلافات الداخلية والانقسام السياسي مع السلطة الفلسطينية في رام الله. كما أن الحركة استطاعت، رغم الحصار والأزمات، أن تُبقي على مؤسسات أمنية وإدارية في غزة، ما عزّز من موقعها كفاعل لا يمكن تجاوزه.
ليس هذا الأمر حكرًا على الحالة الفلسطينية. فالتاريخ السياسي مليء بأمثلة مشابهة، حيث جرى التفاوض مع حركات وجماعات كانت مصنفة كمعادية أو إرهابية، مثل طالبان في أفغانستان، أو الجيش الجمهوري الإيرلندي في بريطانيا، أو الفيت كونغ في فيتنام. في جميع هذه الحالات، جاء التفاوض ليس كنتيجة للاعتراف الأخلاقي أو السياسي، بل لأن تلك الأطراف فرضت نفسها بالقوة والفعالية.
من هنا، يمكن القول إن التفاوض مع حماس هو اعتراف ضمني بوجودها وتأثيرها، حتى إن لم يكن اعترافًا رسميًا بشرعيتها السياسية أو أهدافها الأيديولوجية. وفي عالم السياسة، لا أحد يفاوض طرفًا ضعيفًا أو هامشيًا. المفاوضات تُجرى فقط مع من يملك القدرة على التأثير، وإفشال المسارات، أو إنجاحها.
في النهاية، فإن فهم منطق التفاوض مع حماس يتطلب الابتعاد عن الأحكام المطلقة، والنظر إلى الواقع كما هو: حركة تملك حضورًا عسكريًا وشعبيًا وإداريًا، وتفرض نفسها على الأرض. ولهذا، فإن تجاهلها لم يعد خيارًا عمليًا في أي مسار سياسي أو تفاوضي يتعلق بالقضية الفلسطينية أو بأمن المنطقة.





شارك برأيك
التفاوض مع حركة حماس ما كان ليحدث لولا قوتها وثبات موقفها