اطلعت مؤخراً على مقالات وأفكار حول التوجيهي وتطويره وأرى أنه من الضروري التريث قبل تغيير التوجيهي، وقد شاهدنا عدة محاولات لتغيير التوجيهي وكانت متواضعة ولم تصل لنتيجة، ومع ذلك ، لا بد من الرجوع إلى البدايات بدايات المدرسة، حيث يجب أن نقوم بتدريس الطالب منهاجاً جديداً يقوم على شحن العقل لا برمجته وتدجينه، وعرض ذلك المنهاج من خلال استراتيجيات تقوم على التحفيز والمرونة والتنوع والإكثار من الأسئلة الصفية. وكما قال جون دي وي الأمريكي: إذا علمنا طلاب بأساليب الأمس أننا سنسرق منهم مستقبلهم، فنحن بحاجة للبحث عن بدائل تقييم الطلاب والامتحانات منذ الصغر، فلا يجوز أن نعلم الأطفال منذ الصغر من خلال كتاب وتقييمه من خلال ورقة وقلم بالاعتماد على الحفظ والتلقين، وفي امتحان التوجيهي نضع له أسئلة تتطلب التفكير والتحليل والتفسير والتقويم التي لم يعتد عليها.
نحن بحاجة إلى نظامٍ تعليميّ نوعيّ بعد مراجعة وإعادة تعريف جميع مكونات العملية التعليمية لتتناسب مع متطلبات العصر لإنتاج أجيال تقود المجتمع إلى مستقبل أفضل، ولا تخنق التفكير وثقافة التساؤل والنقد وإبداء الرأي والمبادرة والمخاطرة والتحدي، لأنها من ضرورات خلق هذا الجيل. وأقول: غيّر أفكارك تتغير النتائج.
الامتحانات في الثقافة العربية
تتمثل في المثل العربي القائل: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وهي اختبار للحفظ وليس للفهم أو التفكير النقدي، وإن الطالب يعتمد على الحفظ والتذكر واسترجاع المعلومة أكثر من المهارات والامتحان يراهن على الذاكرة أكثر من الفهم، وإن تمجيد الذاكرة مع أنها أقل المهارات العقلية البشرية مقارنة بالقدرة على الفهم والربط، وهو سير عكس التيار، ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت المعلومة تأتي من كل مكان في العالم وبلغات متعددة، ولذلك من غير المقبول في هذا العصر أن نجعل هم الطالب الوحيد حفظ معلومات متناثرة يقوم بعرضها أمام الطلاب أوفي الامتحان، وتواجه ثقافة الامتحان هذه نقداً كبيراً من التربويين لأنها:
تركز على الحفظ، تختزل جهد الطالب في نتيجة الامتحان، تهمل المهارات الحياتية، تجعل الطالب تحت توتر وقلق دائمَين نتيجة لخوفه من انتقاد أهله ومقارنته بالآخرين، تركز على الكتاب مع أن الكتاب الذي لا يناقش يفقد قيمته، تحطم ثقة الطاب بنفسه.
إن ثقافة الامتحان موضوع متعدد الأبعاد، يتدخل فيه الجانب الاجتماعي، ابن فلان جاب 90 ما شاء الله عنه، ابن فلان جاب 60 الله يعين أهله عليه، عند الامتحان يكرم المرء أويهان، ومن الجانب التربوي فإن الأسرة العربية تمارس ضغطاً كبيراً على الأبناء خلال فترة الامتحانات، خصوصاً المرحلة الثانوية، وتعلن حالة الطوارئ، وهذه الثقافة كوّنت عند الطفل فكرة النجاح بأي ثمن وبأي طريقة، وأصبح يتوجه إلى الغش والاعتماد على الدروس الخصوصية بدل الاعتماد على نفسه، وفي هذا العصر، وسعت وسائل التواصل الاجتماعي دائرة الغش. إن ثقافة الامتحان وما ينتج عنها من قلق وتوتر ومحاولات غش والخوف من الفشل لا تنتهي بين عشية وضحاها أوبكبسة زر، ويجب ألا تشغل القائمين على العملية التعليمية تجاه طلبة الثانوية العامة فقط، بل تطويرها وتغييرها والانتهاء منها، وهي عملية شاقة طويلة معقدة تبدأ منذ دخول الطفل المدرسة وتكبر معه ومع وصول الطفل إلى المرحلة الثانوية يكون قد تجاوز الخوف والقلق والتوتر.
وهذه الثقافة وهوس الأهل بالعلامات المرتفعة والشهادات العليا يجب ألا يُقابلا بالاستهانة بآثارها على الطالب والأسرة والمجتمع، ولن تتبدل هذه المشاعر إلا إذا أعدنا النظر والتفكير في الامتحانات من بداية المدرسة، وما دون ذلك سيستمر ما نحن فيه من جدل ونقاش حول التوجيهي كل أربع أو خمس سنوات، وهذا هو الخسران المبين.
المشكلة ليست في "التوجيهي"
المشكلة تكمن في استراتيجيات التعليم التقليدية التي لا تخاطب العصر ولا تشحن العقل.
المشكلة تكمن في كون الطالب حبيس كتاب معين وأسلوب معين وطريقة جلوس معينة في الصف.
المشكلة تكمن في الصمت الصفي وقلة المشاركة والتفاعل.
المشكلة في التقيد بالكتاب من الألف للياء مع أن الكتاب الذي لا يناقش يفقد قيمته.
المشكلة تكمن في هوس الأهل والمجتمع بالعلامات المرتفعة والدرجات العالية والشهادات العالية.
المشكلة تكمن في أن المجتمع يعتقد أن النجاح يكمن في حصول الطالب على علامة عالية.
المشكلة تكمن في ازدحام الصفوف وينظر إلى الصف على أنه تجمع أجساد وليس تجمع عقول.
المشكلة تكمن في الروتين الصفي والرتابة الصفية.
لأن الذهاب إلى المدرسة لا يقتصر فقط على الكتاب ومنح الدرجات والعلامات المرتفعة، بل يتعلق الأمر بتكوين صداقات وعلاقات اجتماعية وتعلم الاحترام والتسامح والحوار والإصغاء وفهم العالم.
العلم ليس للمدرسة، بل للحياة، لأن الحياة هي رسم لوحة، وليس حل مسألة حسابية، والتعلم للحياة وليس للامتحان.
وسأقوم هنا بعرض بعض الاقتباسات والأقوال والحكم عن الامتحانات والاختبارات:
وأقول إن الهدف من التعلم هو خلق أجيال قادرة على فعل أشياء جديدة، وليس ببساطة تكرار ما فعلته الأجيال السابقة، ويقول علي الموسوي إن التعليم الفاشل هو الذي يخلق أجيالاً تستطيع القراءة والكتابة ولا تستطيع التفكير،
وتقول جيني فلبرايت: إذا كان الهدف من التعليم هو تسجيل درجات عالية في الامتحانات والحصول على شهادات فقد فقدنا البصر عن السبب الحقيقي للتعلم.
ويقول جبران خليل جبران: على المعلم أن يساعد الطلاب على عبور الجسر، ثم يدمر الجسر، حتى يقوم الطلاب ببناء جسورهم الخاصة.
ويقول الفين توفلر: الأميون في القرن الواحد والعشرين لن يكونوا أولئك الذين لا يعرفون القراءة والكتابة بل أولئك الذين لا يستطيعون التعلم وإعادة التعلم وتعلم أشياء جديدة.
وأوصى خبير تركي في الصحة النفسية للأطفال أولياء الأمور بعدم صب كل اهتمامهم على الدرجات المدرسية لأبنائهم، لأن ذلك يقلل ثقة الأطفال بأنفسهم.
وأقول: إن الطفل الذي يلقى الحب والاهتمام فقط عند حصوله على علامات مدرسية عالية، ويتعرض للانتقاد والمقارنة والسخرية عند حصوله على علامات منخفضة، حيث يكون ضعيف الثقة بنفسه لأنه يربط قيمته بشهادته المدرسية والعلامات المرتفعة، وأثبتت التجارب التربوية أن النجاح في المدرسة والجامعة لا يضمن بالضرورة النجاح المهني والعائلي في المستقبل وكما يقال بالإنجليزية (Never teach to test).
ويطالب خليل السكاكيني بتربية تقوم على إعزاز التلميذ لا إذلاله، ولا علامات ولا عقاب.
أما عبد الوهاب المسيري، فيرى أن التعليم فقد روحه الأصلية، فلم يعد رحلة معرفية أو تنمية العقل، بل وسيلة للعبور عبر الامتحانات والتعليم، أصبح صورة آلية لا تمنح إلا مهارة اختبار الأسئلة، ويرى كذلك أن ما يواجهه التعليم ليس نقص الموارد، بل فقدان المعنى الحقيقي حيث يصبح الهدف النهائي شهادة ودرجات، لا عقلاً قادراً على التفكير والإبداع.
ويرى بيتر دراكر أن ما لا يقاس لا يمكن تحسينه، وأن غياب ثقافة القياس وأدوات القياس عائق يمنعنا من معرفة ماذا يحدث وأين نتجه وكيف يمكن تحسينه.
الامتحانات لا تقيس الذكاء، بل تقيس مدى استعدادك لخوض المعركة، النجاح في الامتحان ليس نهاية الطريق، بل بداية لاختبارات الحياة، والطالب الذي يراجع مادة الامتحان في اللحظات الأخيرة يراهن على الحظ أكثر من التعلم، كل دقيقة ودراسة يومية توفر لك ساعات من القلق غداً.
الإنسان ليس رقماً في ورقة الامتحان، بل روح وعقل وتجربة، أفضل أنواع التقويم هو الذي يزرع فيك الرغبة في أن تكون أفضل، التقويم ليس لمعاقبة الخطأ بل لتصحيحه، التقويم العادل يُبنى على الفهم، دور المدرسة أكبر من أن تحكم على الطالب من خلال ورقة وقلم.
إن المدرسة لن تكون مكاناً للتعلم إلا إذا علمت الطالب أن يقول لا، وأن يبحث عن الحقيقة، وأن يستعمل عقله، وأقول: علموا المهارات الحياتية والتكنولوجية واللغوية والتواصلية والإبداعية، لأنها تفتح أبواب المعرفة، وهي لا تسأل عن عمر معين، وقد يتقنها ويملكها طالب عمره 15 سنة، لأن من لا يتعلم المهارات يبقى متفرجاً منبهراً بما يقوم به غيره.
وأختتم هذا المقال برسالة من مدرسة في سنغافورة إلى أولياء الأمور قبل الامتحانات:
أعزائي الآباء
إن امتحانات أبنائكم على وشك البدء، ونحن نعلم أنكم قلقون بخصوص أداء أبنائكم، لكن تذكروا من فضلكم أنه بين هؤلاء التلاميذ الذين سيدخلون هذه الامتحانات هناك فنان، وليس من الضروري أن يفهم الرياضيات، وهناك مقاول ليس من الضروري أن يتقن التاريخ، وهناك موسيقي ليس من الضروري أن يتقن الكيمياء، كما أن هناك رياضياً صحته الجسدية ولباقته البدنية أهم من علامته في الفيزياء.
إن حصل أبناؤكم على علامات عالية، فذلك شيء عظيم. أما في حالة عدم الحصول عليها، فلا تجعله محط سخرية ولا تجعله يفقد ثقته بنفسه وكرامته.
هدئوا من روعهم واشرحوا لهم أن ذلك لا يتجاوز كونه امتحاناً صغيراً، وأن هناك أشياء أكثر أهمية في الحياة.
قولوا لهم إنكم تحبونهم مهما كانت علاماتهم ولن تصدروا أحكاماً أبداً عليهم، طمئنوهم، من فضلكم افعلوا هذه الأشياء وبعدها شاهدوا أبناءكم يحققون نجاحهم. امتحان واحد وعلامة سيئة لن يسرقا منهم أحلاهم وموهبتهم.
رجاء لا تفكروا للحظة واحدة أن المهندسين والأطباء هم أسعد الناس على وجه الأرض، فلكل فرد أهميته، والناجح هو الذي يتقن عمله في مجاله أيّاً كان.
وهنا أقول بحسرة، وأُوجّه رسالة للمدرسة في سنغافورة: رجاء افتحوا لكم فروعاً في العالم الثالث.
وأخيراً أقول: نحن، التربويين المحاورين أصحاب البوصلة أصحاب اليقظة، نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.





شارك برأيك
ثقافة الامتحانات.. أما آن الأوان لإعادة التفكير فيها