أقلام وأراء

الأربعاء 24 سبتمبر 2025 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

الجماهير تصنع الدولة.. لا البطل

أفتح النافذة على زمنين وأسمع الهتاف يتداخل مع أغنية، صوتٌ من شوارع نابلس في 1988 يقاطعه صدى نغمة من ميلانو وروما قبلها بسنوات، كانت فلسطين هناك في اللافتات، في المهرجانات الطلابية، في أغاني الفرق التقدمية التي جعلت من "الثورة الفلسطينية" رمزاً أممياً للتحرر.

لذلك لم يكن الاعتراف عام 1988 حدثاً معزولاً، بل خلاصة مناخ عالمي، حيث الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية وأميركا اللاتينية كانوا ينسقون موقفهم ضمن دعم علني وواضح للرواية الفلسطينية، في لحظة كان فيها الشعب الفلسطيني بلا سيطرة حقيقية على الأرض، ومنظمة التحرير ما زالت في الخارج، والانتفاضة الأولى تشتعل في المخيمات والشوارع كجسد واحد ضد الاحتلال، حتى بدت الثورة قصيدة تُتلى بلغات مختلفة، مرة بالعامية الفلسطينية، ومرة بالإيطالية الممزوجة بروح الثورات.

 لم تكن الانتفاضة الأولى، مجرد حكاية حجارة، بل حياة يومية تتحول إلى فعل تحرري، نساء يخبزن الخبز تحت " لجن" الخبز حجارة، وطلاب يواجهون بصدورهم العارية، عُمّال يتركون المعامل والورش والمستوطنات الزراعية، لتسقط أرباح المحتل، وأطفال يكتبون على الجدران شعارات ـ كانت بخير من غير سوءـ  وبحبرٍ ممزوجٍ بالخوف والأمل. العمل التطوعي في مخيم الفارعة سبق المظاهرات،  يشحذ همم الناس قبل المواجهة، وكلما اقترب الليل من أسوار سجن الفارعة كانت الحجارة تشتعل في الأكف، تتحول إلى مشهد درامي، أجساد نحيلة تندفع كقصائد حية في وجه جنود مدججين، لم يكن الفرد متفرجاً أو مشجعاً بل خلية في جسد واحد، جسد، قبل اختزاله في كلمة "حاضنة شعبية"،  بل مارس التحرر كفعل يومي، كأغنية جماعية لا تعرف الصمت، وحين جاء اعتراف 1988 بدا كأنه توقيع على لحن سبق أن كتبه الشارع، وكان العالم يلتقط الأنفاس التي صعدت من الأزقة ويصغي إلى الدعم الدولي الواسع من الكتلة الاشتراكية وأميركا اللاتينية، ويصدّق رواية جماهيرية صنعتها الأيادي العارية والهتافات الحمراء، لا مجرد أوراق سياسيين.


الزمن تغيّر، والاعترافات اليوم لا تأتي من وقع الشعارات أو من حناجر الميادين بل من صور الدم، غزة بكل ما فيها من مجازر دفعت المشهد إلى الواجهة، أطفال يخرجون من تحت الركام يلتصق بهم غبار البيوت والموت معا، صرخاتهم تحولت إلى مزمور عالمي ودماؤهم غطّت الشاشات حتى لم يعد ممكناً إخفاء الفضيحة / المجزرة، والبيوت المهدّمة صارت نصاً مفتوحاً على مأساة لا تحتاج مترجمًا، شوارع أوروبا وأميركا امتلأت بالمتظاهرين تصرخ ولا تغني، حتى في غنائها نواح وان اعتراه بعض الفرح، لكن في الداخل الفلسطيني تغيّر المشهد، لم تعد هناك انتفاضة شاملة ولم يعد الحراك الشعبي قلب المعادلة بل حاضنة صامتة أو مشجعة عن بعد في ظل وجود قطب واحد متحالف مع الاحتلال يفرض سياساته ويحدّد الإيقاع الدولي، فالموازين ليست متكافئة كما كانت في زمن الكتلة الاشتراكية والدعم الجماهيري الدولي الواسع، ومع ذلك تحمل الاعترافات اليوم مفاعيل لم تكن موجودة قبل ثلاثة عقود، لم تعد مجرد رمزية بل صارت أوراقاً قانونية، مقاعد في المؤسسات الدولية، تمثيلاً رسمياً، حضوراً معلناً، هي اعترافات بالدم أولاً لكنها أيضاً اعترافات تفتح باباً للكيان السياسي الفلسطيني أن يثبت نفسه وسط عالم متغير وتضع الرواية الفلسطينية على الطاولة علناً.

بين اعترافين مسافة شاسعة، الأول كان أغنية تتردّد في الشوارع بدعم كتلة كاملة تعترف بالحق الفلسطيني  كحق مجرد، رغم غياب السيطرة على الأرض، والثاني جاء كورقة دبلوماسية مثقلة برائحة الدم في زمن قطب واحد يهيمن على القرار العالمي، الأول امتداد لعمل شعبي جمعي تطوعي والثاني حصيلة مأساة مفتوحة على الشاشات، لكن الاعترافات على أهميتها القانونية والسياسية تحتاج إلى أن تستند إلى فعل جماهيري حيّ يعيد للرواية الفلسطينية صوتها الجمعي، وحده التلاقي بين الساحة والورقة، بين الهتاف والكيان السياسي قادر على تحويل هذه الاعترافات من مكسبٍ معلّق إلى قوة فاعلة في مسار التحرر، فالتاريخ الفلسطيني لم يُكتب يوماً بالسياسة وحدها ولا بالجماهير وحدها، بل حين اجتمع الاثنان وصارا جسداً واحداً اندفعت فلسطين لتصنع مكانها في الذاكرة وفي العالم.

الاعترافات المتتابعة بدولة فلسطين ليست مجرد أخبار عابرة بل إشارات ضوء في عتمة طال أمدها، لكن الضوء لن يكتمل إذا بقيت الجماهير مجرّد متفرّج على مسرح الدم والخذلان، فالحاضنة التي تكتفي بالمناكفات الصغيرة وتنتظر مخلّصًا ينزل من علياء الغيب، وتصنعه اذا لم يأتي، تعيد إنتاج العجز وتؤجّل الفعل، لقد آن الأوان أن تنهض الجماهير من مقاعد المشاهدة إلى خشبة الفعل، من التفرّج إلى المبادرة، من التشتّت إلى وحدة الصوت، وأن تصنع مشروعًا سياسيًا واضحًا حيًّا لا مؤجلًا ولا معلقًا بانتظار من ينقذها، وحده الشعب حين ينهض بكامل ثقله يستطيع أن يمنح الاستحقاق السياسي شرعية الحياة ويحوّل الاعترافات الدولية إلى لبنة في بناء الدولة لا إلى قصاصة خبر في أرشيف الجرائد، الأفق مفتوح وما من قوة تستطيع أن تغلقه ما دامت الجماهير قررت أن تمشي فيه صفًا واحدًا وصوتًا واحدًا وإرادة لا تُكسر‪.‬‬

دلالات

شارك برأيك

الجماهير تصنع الدولة.. لا البطل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.