في كل أمة يكون القرار السياسي مرآة لشعور مواطنيها بالأمان والانتماء، في عالمنا العربي تحول غياب القرار أو التردد في اتخاذه إلى جرح مفتوح في الوعي الجمعي العربي. سنوات طويلة من هزائم متكررة وبيانات شجب وانتظار أفرزت إحساساً عاماً بأن المصير معلق في الهواء، هذه الحالة لم تبق في قاعات السياسة، بل تسللت إلى الداخل، إلى النفس التي استيقظت على شعور ثقيل بالعجز والخجل والانكسار والروح الانهزامية، التي تسللت إلى أعماق الشباب العربي، وأصبحت جزءاً كبيراً من الحالة التي يعيشها، وإن أخفاها في بعض الحالات.
حين يرى المواطن أن القضايا المصيرية لا تُحسم، وأن الانظمة تتلكأ عند اللحظة التي تتطلب شجاعة، يبدأ بفقدان الثقة ليس فقط بحكوماته، بل بنفسه أيضاً، يتشرب من دون أن ينتبه فكرة أن صوته غير مؤثر، وأن أي فعل محكوم بالفشل، وأن الزمن لا يتحرك إلا إذا دفعه الآخرون، يصبح رد الفعل الغالب هو الانسحاب. انسحاب من المشاركة من النقاش العام، من الحلم أصلاً، يتقوقع كثيرون في دائرة خاصة صغيرة، ويغدو أهم إنجاز يومي هو تفادي الألم لا صناعة المعنى.
لكن النفس البشرية لا تقبل العيش طويلاً تحت سقف العجز، الإحباط إذا تراكم يتحول إلى غضب، والغضب إن لم يجد منفذاً مشروعاً ينفجر في أشكال غير متوقعة، يبدأ فردياً كسلوك عدواني أو كرفض حاد لكل ما هو عام، أو كهجرة يائسة إلى أي مكان بعيد، ويتحول جماعياً إلى موجات احتجاج مفاجئة، طاقة متفجرة بلا برنامج ولا بوصلة تندفع بعنف، ثم تخبو من دون أن تُراكم مؤسسات أو حلولاً، وقد يتجلى ثقافياً في سخرية لاذعة تسحق كل قيمة أو في قطيعة مع الهوية، لأن الهوية نفسها تُرى كعبء لا كقوة.
الشرق الأوسط يبدو لأبنائه في صورته الراهنة جسداً بلا حماية، منطقة مكتظة بالطاقات والثروات، لكنها عاجزة عن حماية نفسها من التدخلات، وعن إنتاج قرار موحد حين يمس الأمر جوهر الكرامة والحق، هذه الصورة تنعكس على الفرد مباشرة إذا كانت أمة كاملة لا تحمي ذاتها فكيف أحمي نفسي، فينكمش الإيمان بالذات وتضيع فكرة السيطرة على المصير، نتربى على الانتظار كخطة، وعلى رد الفعل كسياسة، وعلى التكيف كغاية أخيرة.
لغياب القرار كلفة نفسية واجتماعية وسياسية فادحة نفسياً، نحن أمام أجيال تشكل أعصابها على توتر مزمن، خوف مقيم، توجس من المستقبل، وانعدام ثقة بالذات وبالآخر، اجتماعياً تتسع الفجوة بين المواطن ومؤسساته، لا لأنها فاسدة أو ضعيفة فقط، بل لأنها لا تقرر، ينكسر العقد العاطفي بين الطرفين؛ المواطن لا يمنح الولاء لمؤسسة لا تحسم، والمؤسسة لا ترى في المواطن شريكاً جديراً بالمصارحة والمشاركة، سياسياً يُستبدل الفعل بالتأجيل ويستعاض عن الاستراتيجية بحملات علاقات عامة قصيرة النفس، فتفتح الأبواب على تدافع قوى خارجية تملأ الفراغ، ويُعاد رسم الأولويات على مقاسها، حضارياً يتآكل الطموح من المساهمة في إنتاج المعرفة والقيمة إلى محاولة البقاء فقط.
إذا استمر هذا الفراغ في صناعة القرار، فالأرجح أننا مقبلون على عواقب قاسية، أُولاها جيل غاضب بلا بوصلة، طاقة أخلاقية ضخمة تبحث عن نافذة فتحطم الجدار بدل أن تفتح النافذة، ثانيتها انهيار متزايد في الثقة المجتمعية، يصعب أي إصلاح لاحق، لأن الثقة تُبنى ببطء، وتنهار دفعة واحدة، ثالثتها تآكل في معنى الهوية، يتحول الانتماء إلى اعتذار دائم، أو إلى خطاب إنكاري متشنج، وفي الحالتين تضيع القدرة على تحويل الهوية إلى مشروع. رابعتها انفجارات دورية تظهر وتخبو من دون تراكم مؤسسي يحفظ دروسها.
المفارقة أن العلاج يبدأ من المكان ذاته الذي يصنع الألم. القرار الشجاع ليس مجرد إجراء إداري أو بيان سياسي، هو رسالة نفسية جماعية تقول إن الحركة ممكنة، وإن الزمن ليس دائرة مغلقة حين تحسم قضية صغيرة بصورة عادلة وشفافة يستعيد الناس شيئاً من ثقتهم بأنفسهم وبمؤسساتهم، تتغير اللغة اليومية من لا فائدة إلى لعلها بداية، ومن دون هذه الومضات سيبقى الإحباط يتحول إلى غضب، والغضب إلى فوضى، والفوضى إلى سردية جديدة تعزز الإحباط مرة أُخرى.
ليس المقصود هنا تمجيد الحسم لمجرد الحسم، القرار الشجاع هو ما يقوم على معرفة ومصارحة ومشاركة أن تقال الحقيقة كاملة لا نصفها، وأن يشرك الناس في صياغتها لا في التصفيق لها، أن تُبنى مؤسسات تسمع وتصحح من دون خوف من الاعتراف بالخطأ، وأن يُعاد تعريف القوة باعتبارها القدرة على حماية المجتمع لا السيطرة عليه، عندها فقط يمكن تحويل الطاقة المتفجرة إلى طاقة مؤسسة من الغضب الخام، إلى عدالة قابلة للقياس من الاحتجاج المنقطع إلى سياسة مستمرة.
نحن لا نعاني نقصاً في الذكاء الفردي، ولا في الموارد ولا في الشجاعة حين تتطلبها اللحظات الحرجة ما ينقصنا قبل كل شيء هو الإحساس الجمعي بأن هناك من يقرر، ومعه نقرر أنّ الفعل العام ليس اقتراحاً أخلاقياً، بل قدرة يومية إذا استطعنا استعادة هذا الإحساس، سيتغير المزاج الداخلي، سيتراجع الخجل، وسيكبر الإصرار، وسيعود الأمل إلى حجمه الطبيعي لا كخيال يسكن الألم، بل كخطة تنظم الطاقة، لكن للأسف الشديد يبدو أن حكومة نتنياهو تدرك هذه الحالة النفسية جيداً من عجز عربي ورضوخ، وتعرف تماماً معناها، وتستغلها بالضغط المستمر لتكسر كل من يتمسك بعروبته وكرامته، لقد أصبح الأمر في جوهره معركة كرامة، لذلك يضغط بعنف وقسوة وبقوة الانكسار ليحول الشرق الأوسط بأكمله، إلى شرق مشوّه، لا يقبل إلا أن يكون عبيدٌ في منظومته ذات الطابع النازي الصهيوني.
قد لا نستطيع تغيير العالم غداً، لكن يمكننا أن نغير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا اليوم، أن نتوقف عن توريث العجز كهوية، وأن نطالب بما هو أبسط وأعمق، قرار واضح شفاف قابل للمحاسبة، عندها فقط سيتحول صدى الانكسار إلى بداية جديدة، ويصبح الغضب مادة بناء لاستعادة الكرامة كي نحترم أنفسنا ونتخلص من حاله العجز التي تطاردنا.





شارك برأيك
شرق أوسط يرضخ للمهانة ويتعايش مع عجزه