د. دلال عريقات: وقف الإجرام الإسرائيلي يتطلب إرادة دولية حقيقية عبر إجراءات متزامنة على المستويات الإنسانية والقانونية والسياسية
ماجد هديب: ذاهبون نحو غزة جديدة لا حجر فيها ولا بشر ما لم تتحرك الأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية بجدية لوقف العدوان
محمد جودة: السيناريو الأقرب حرب استنزاف دامية وربما تُظهر إسرائيل تفوقاً نارياً لكنها ستغرق في مستنقع غزة سياسياً وإنسانياً
د. جمال حرفوش: وقف نزيف غزة مسألة أخلاقية وتفعيل القانون الدولي يمكنه كسر منطق القوة ويفتح الطريق للأمن الإنساني والإعمار
سليمان بشارات: الجلسة المرتقبة للأمم المتحدة قد تشكل فرصة تاريخية لإصدار قرار يُلزم إسرائيل بوقف عدوانها وإلا فالحرب ستستمر
حسام أبو النصر: يجب إحداث اختراق في الساحة الأمريكية عبر جهود فردية ومؤسسية لتغيير بعض المواقف والضغط على إسرائيل لوقف الإبادة
تدخل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة مرحلة أكثر خطورة مع انطلاق العملية العسكرية البرية، حيث يواجه الفلسطينيون تصعيداً دموياً يهدد بموجة تهجير جماعي جديدة تعيد إلى الأذهان مشاهد النكبة، فيما تتجه الاحتمالات إلى سيناريوهات مفتوحة، في ظل صمت دولي.
هذا التصعيد، بحسب كتاب ومحللين ومختصين وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ”القدس”، لا ينفصل عن أبعاد سياسية وأيديولوجية تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض واقع جديد على الأرض يخدم مشروعها الاستيطاني التوسعي، في ظل غياب ضغط دولي وعربي جدي لوقف العدوان. ويشيرون إلى أن السيناريوهات المتوقعة تتراوح بين حرب استنزاف طويلة، وفرض هدنة إنسانية مشروطة، أو حتى اتساع رقعة الصراع إقليمياً بما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ويرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن وقف الإبادة بحق الفلسطينيين لن يتحقق عبر بيانات الإدانة، بل عبر ضغوط قانونية ودبلوماسية واقتصادية حقيقية، تشمل فرض عقوبات، وتفعيل أدوات المساءلة الدولية، وإطلاق مسار سياسي يضع حياة الإنسان الفلسطيني وحقوقه في صلب أي تسوية مستقبلية.
خطر التهجير الجماعي وإعادة إنتاج النكبة
تؤكد د. دلال عريقات، أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، أن العملية البرية التي أطلقتها إسرائيل في قطاع غزة فتحت الباب أمام سيناريوهات متعددة، أخطرها التهجير الجماعي وإعادة إنتاج النكبة.
وتوضح عريقات أن التوغل الإسرائيلي يترجم إلى كلفة بشرية ومادية هائلة، حيث يتسبب في دمار وهدم هائل في المباني ونزوح داخلي وفقدان للخدمات الأساسية، من دون أن يحقق حسماً عسكرياً حقيقياً لإسرائيل.
وتشير إلى أن استمرار العمليات والقصف المكثف قد يدفع عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من الفلسطينيين للنزوح القسري جنوباً أو باتجاه الحدود المصرية، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً للهوية الوطنية الفلسطينية.
وتحذر عريقات من مخاطر اتساع رقعة الصراع إقليمياً، إذا امتدت المواجهات إلى لبنان أو سوريا أو البحر الأحمر، بما ينذر بزعزعة الاستقرار الأمني والاقتصادي للمنطقة.
وتوضح عريقات أن ثمة احتمالاً لفرض هدنة إنسانية طويلة نسبياً تتحول إلى وقف إطلاق نار مشروط، يتضمن تبادل أسرى ومحتجزين وفتح المعابر أمام المساعدات تحت رقابة دولية، لكن دون معالجة جذور الصراع أو إطلاق مسار سياسي جاد.
مسار تفاوضي بضمانات متعددة الأطراف لإنهاء الاحتلال تدريجياً
وترى عريقات أن أفضل السيناريوهات الاستراتيجية يتمثل في فتح مسار تفاوضي بضمانات متعددة الأطراف لإنهاء الاحتلال تدريجياً، غير أن هذا الخيار يبقى الأصعب في ظل موازين القوى الحالية.
وتشدد على أن الحروب البرية في غزة لا تفضي إلى حسم، بل إلى "جمود مؤلم"، مؤكدة أن وقف الإجرام الإسرائيلي يتطلب إرادة دولية حقيقية، عبر إجراءات متزامنة على المستويات الإنسانية والقانونية والسياسية.
فعلى الصعيد الإنساني، تدعو عريقات إلى وقف استخدام الأسلحة واسعة التدمير في المناطق المأهولة، وفتح المعابر دون قيود لإدخال المساعدات، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، إضافة إلى تبادل الأسرى والمرضى بوساطة موثوقة، ونشر آلية رقابة ميدانية مستقلة لتوثيق الانتهاكات.
أما على الصعيد القانوني، فتؤكد عريقات ضرورة تفعيل أدوات المساءلة في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وفرض عقوبات موجهة على المسؤولين عن جرائم الحرب، وتعليق تصدير السلاح لإسرائيل وربطه باحترام حقوق الإنسان.
سياسياً، تشدد عريقات على أهمية إطلاق مسار دولي–عربي يضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وجدولاً زمنياً لرفع الحصار ووقف الاستيطان، وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، مع ضرورة إدماج المرأة والشباب في هذه المسارات بما ينسجم مع قرار مجلس الأمن 1325.
وتؤكد عريقات أن إعادة إعمار غزة يجب أن تتم وفق خطط شفافة ومستدامة في مجالات الصحة والمياه والطاقة والتعليم، تحت إشراف متعدد الأطراف يحمي المدنيين من الابتزاز السياسي.
وتشدد عريقات على أن وقف العدوان "ليس مسألة بيانات إدانة، بل معادلة كلفة وجدوى"، معتبرة أن فرض عقوبات دولية وردع قانوني وسياسي هو السبيل لرفع ثمن العدوان وفتح الباب أمام تسوية تضع حياة الإنسان وحقوقه في صلب أي حل مستدام.
نتنياهو ماضٍ نحو مخططات تحقيق "إسرائيل الكبرى"
يرى الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة يتجاوز حدود الحرب التقليدية، بل هو "حرب إبادة" تستهدف الإنسان والحجر والشجر على حد سواء.
ويؤكد هديب أن المواقف الدولية المنقسمة بين التأييد أو الصمت، وكذلك العجز العربي والإسلامي، ساعدا بدورهما على تمادي اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو في المضي نحو مخططات تتعلق بتحقيق "إسرائيل الكبرى".
ويوضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة تقوم على الاتجاه نحو "غزة الجديدة"؛ أي تفريغ القطاع من سكانه وتحويله إلى أرض بلا بشر أو عمران، سوى ما يخدم أمن إسرائيل وتعزيز وجودها وتوسيع أطماعها.
ويعتبر هديب أن هذا السيناريو الأولي يفتح الطريق أمام المشروع الصهيوني التاريخي القائم على السيطرة على الشرق الأوسط بأدوات الإعلام والاقتصاد والهيمنة الأمنية، دون الحاجة إلى جيوش تقليدية.
ويبيّن هديب أن السيناريو الثاني يتمثل في استمرار التوغل الإسرائيلي وتقسيم قطاع غزة إلى مربعات عسكرية، تمهيداً لفرض السيطرة على المناطق الوسطى، بما يعرف بمخيمات وسط القطاع.
ووفق هديب، فإن السيناريو الثالث يشير إلى احتمال التوجه نحو وقف إطلاق نار عبر مفاوضات لتبادل الأسرى، مع إبقاء الوضع الإنساني على حاله المتدهور، من دون الدخول في ترتيبات سياسية أو البدء بخطط إعادة إعمار تروج لها مصر.
أما السيناريو الرابع، بحسب هديب، فيكمن في توسيع رقعة الصراع ليأخذ بعداً إقليمياً، من خلال إعادة فتح جبهة الجنوب اللبناني مع حزب الله، أو استفزاز بعض الدول العربية مثل مصر.
السيناريو الأقرب للتطبيق حالياً تفريغ غزة من سكانها
ومع ذلك يشدد هديب على أن السيناريو الأقرب للتطبيق حالياً هو تفريغ غزة من سكانها، في ظل غياب ضغط دولي حقيقي واستمرار الصمت العربي والإسلامي.
ويؤكد هديب أن وقف الحرب غير ممكن دون فرض عقوبات دولية على إسرائيل أو تحرك عربي–إسلامي فاعل يلوّح بوقف التطبيع والتعاون مع الاحتلال.
ويشير إلى أن انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة يشكل فرصة للضغط عبر ما يُطرح من إعلان نيويورك والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويقول هديب: "نحن ذاهبون نحو غزة جديدة لا حجر فيها ولا بشر ولا شجر، ما لم تتحرك الأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية بشكل جدي لوقف العدوان".
الاجتياح البري انتقال إلى مرحلة "أكثر خطورة وتعقيداً"
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن دخول إسرائيل البري إلى مدينة غزة يمثل انتقالاً إلى مرحلة "أكثر خطورة وتعقيداً" من الصراع، مشيراً إلى أن الحرب الجوية منحت الاحتلال قدرة تدميرية من دون تكلفة بشرية مباشرة، بينما الحرب البرية تنطوي على خسائر عسكرية وسياسية متزايدة.
ويوضح جودة أن المشهد الميداني يفتح على عدة سيناريوهات، أولها حرب استنزاف طويلة الأمد، إذ تعتمد المقاومة الفلسطينية على تكتيكات حرب المدن والأنفاق، ما يضع الجيش الإسرائيلي في مواجهة معارك مرهقة ومكلفة. ويرى جودة أن إسرائيل قد تحقق بعض المكاسب التكتيكية المحدودة مثل السيطرة على أحياء أو تدمير أنفاق، لكنها ستفشل في تحقيق "حسم كامل" للحرب.
ويشير جودة إلى أن السيناريو الثاني يرتبط بتصاعد الكلفة الإنسانية والسياسية، إذ إن استمرار سقوط آلاف الضحايا المدنيين الفلسطينيين سيُحرج إسرائيل دولياً ويؤجج الغضب الشعبي عربياً وإسلامياً، كما قد يُحرّك مواقف أكثر صرامة داخل بعض العواصم الغربية.
ويحذر جودة من أن الأزمة الإنسانية غير المسبوقة في غزة مرشحة للتحول إلى أداة ضغط سياسي على إسرائيل عبر الأمم المتحدة والرأي العام العالمي.
أما السيناريو الثالث وفق جودة، فيكمن في احتمالية التوسع الإقليمي، حيث يرى جودة أن إطالة أمد الحرب البرية ترفع من فرص اندلاع جبهات جديدة في لبنان أو الضفة الغربية، وربما دخول أطراف إقليمية مثل إيران وحزب الله وفصائل أخرى على خط المواجهة بشكل أوسع. وفي حال تعثر إسرائيل عسكرياً واشتداد الضغوط الدولية، يبرز وفق جودة، سيناريو رابع يقوم على الخروج عبر مفاوضات تشمل وقف إطلاق النار وصفقات تبادل للأسرى والرهائن وتفاهمات سياسية مؤقتة.
ويؤكد جودة أن السيناريو الأقرب يتمثل في حرب استنزاف دامية، حيث قد تُظهر إسرائيل تفوقاً نارياً، لكنها ستغرق في مستنقع غزة سياسياً وإنسانياً.
ويشدد جودة على أن وقف العدوان لن يتحقق بالإرادة الدولية وحدها، بل بارتفاع التكلفة التي سيدفعها الاحتلال، داعياً إلى تحرك دولي عبر تفعيل آليات المحكمة الجنائية الدولية وفرض ضغوط اقتصادية وسياسية من العواصم الغربية الداعمة لإسرائيل.
المطلوب تحرك عربي إسلامي منسق لتدويل القضية وفرض حماية للمدنيين
ويطالب جودة بتحرك عربي- إسلامي منسق لتدويل القضية وفرض حماية للمدنيين، إلى جانب استمرار صمود المقاومة ميدانياً واستثمار ورقة الأسرى كورقة ضغط في أي مفاوضات.
ويرى جودة أن الضغط الإعلامي والشعبي العالمي يبقى ضرورياً لكشف الانتهاكات وتحويلها إلى ملفات قانونية وسياسية، مؤكداً أن إسرائيل لا توقف عدوانها إلا تحت ضغط عسكري أو سياسي مباشر.
المشهد الميداني مفتوح على عدة سيناريوهات
يوضح أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، أن العملية العسكرية المكثفة التي أطلقها الاحتلال الإسرائيلي في مدينة غزة تجري داخل بيئة مدنية مكتظة، ما يجعلها مخالفة لمعايير القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان، لافتاً إلى أن أي إخلال بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط وحظر العقاب الجماعي وتجريم التجويع كسلاح حرب، يشكل انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويؤكد حرفوش أن المشهد الميداني مفتوح على عدة سيناريوهات، أبرزها الاستنزاف الحضري الطويل، حيث يتقدم الجيش الإسرائيلي ببطء داخل أحياء مهدمة على حساب خسائر بشرية عالية ودمار إضافي للبنية الصحية واللوجستية.
ويرى حرفوش أن المآل في هذه الحالة سيكون سيطرة عسكرية شكلية يقابلها فراغ حوكمي ومقاومة ممتدة، بالتوازي مع تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع نطاق المساءلة الجنائية لاحقاً.
أما السيناريو الثاني، وفق حرفوش، فيتمثل في هدنة قسرية بضغط دولي، تُفرض عبر اندفاعة دبلوماسية تفضي إلى وقف إنساني لإطلاق النار، يتضمن صفقات تبادل أسرى وممرات محمية وآلية رقابة.
ويشدد حرفوش على أن هذا المسار قد يظل هشاً ما لم يقترن بترتيبات أمنية ومدنية واضحة تضمن بقاء ولاية فلسطينية فعالة.
ويشير إلى أن السيناريو الثالث يقوم على تصعيد الصراع نحو مسرح أوسع، سياسياً وأمنياً وإعلامياً، بما يزيد كلفة الاستمرار على إسرائيل والداعمين لها، ويقابله تضييق شرعي وسياسي على عمليات الاحتلال وتشدد أكبر في شروط أي تسوية مقبلة.
في حين، يفتح السيناريو الرابع وفق حرفوش، المجال أمام تعاظم مسار المساءلة الدولية، من خلال تفعيل أدوات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، إضافة إلى تحركات قضائية وطنية على أساس الاختصاص العالمي، وهو ما يرفع كلفة الإفلات من العقاب ويحول المساءلة إلى أداة سياسية لوقف الحرب وإعادة الإعمار.
الاستنزاف الحضري أو الهدنة المفروضة بضغط قانوني ودولي
ويؤكد حرفوش أن الاحتمالين الأقرب في المدى القريب هما الاستنزاف الحضري أو الهدنة المفروضة بضغط قانوني ودولي، مشدداً على أن ترجيح أي منهما مرتبط بمستوى الضغط المنسق على آلة الحرب الإسرائيلية ومورديها.
ويدعو حرفوش إلى حزمة متكاملة لتحويل القواعد القانونية إلى أدوات إنفاذ، تشمل: وقفاً ملزماً لإطلاق النار مع آلية رقابة مستقلة وصلاحيات وصول كاملة، وإنفاذ التدابير المؤقتة لمحكمة العدل الدولية لحماية المدنيين وتدفق المساعدات، ودعم مسارات المحكمة الجنائية الدولية عبر أوامر توقيف وتجميد أصول وحظر سفر بحق المتهمين.
ويشدد حرفوش على ضرورة تقييد توريد السلاح لإسرائيل وربط أي تصدير باحترام معايير التمييز والتناسب، وفتح ممرات إنسانية محمية قانوناً، إضافة إلى صفقة تبادل أسرى شاملة، وترتيبات حوكمة انتقالية تؤسس لإعادة إعمار مستدامة وشفافة.
ويؤكد حرفوش أن وقف نزيف غزة ليس مسألة أخلاقية فقط، بل "واجب قانوني قابل للإنفاذ"، معتبراً أن تفعيل القانون الدولي وتحويله إلى آليات ملموسة يمكن أن يكسر منطق القوة العارية ويفتح الطريق أمام أمن إنساني وإعمار قائم على العدالة.
الحرب لا تبدو قريبة من نهايتها
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن الحرب الإسرائيلية المستعرة على قطاع غزة، والمدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، لا تبدو قريبة من التوقف، في ظل تقاطع مصالح سياسية وأمنية وأيديولوجية بين واشنطن وتل أبيب.
ويوضح بشارات أن هذه الحرب، التي تتجاوز حدود المعركة العسكرية إلى أهداف استراتيجية أوسع، تحمل سيناريوهات متعددة أخطرها التهجير الكامل للفلسطينيين.
وبحسب بشارات، فإن الأهداف الإسرائيلية لا تقف عند حدود "الأمن"، بل تشمل أبعاداً سياسية مرتبطة بالوضع الداخلي الإسرائيلي، وأخرى أمريكية مرتبطة بمصالحها في الشرق الأوسط، فضلاً عن أهداف أيديولوجية ودينية تسعى لإعادة الاستيطان إلى قطاع غزة.
ويلفت بشارات إلى أنه رغم إدراك إسرائيل لحالة العزلة الدولية التي بدأت تعانيها، إلا أنها تراهن على إمكانية تجاوزها إذا ما تمكنت من فرض وقائع ميدانية جديدة تخدم استراتيجيتها.
ووفق بشارات، فإن السيناريو الأول الذي تعمل عليه إسرائيل هو "السيناريو المجنون"، والمتمثل في الإبادة الكاملة والتدمير الشامل لمقومات الحياة في غزة، بما يفتح الطريق أمام تهجير سكانها.
ويشير إلى أن الاحتلال ينفذ هذا النهج بشكل تدريجي، عبر الانتقال من منطقة إلى أخرى وتدميرها بعمق، في محاولة لخلق بيئة غير قابلة للحياة.
عائقان أساسيان يواجهان "السيناريو المجنون"
غير أن هذا السيناريو وفق بشارات، يواجه عائقين أساسيين: أولاً، تمسك سكان القطاع بأرضهم ورفضهم خيار التهجير، حتى لو كلفهم ذلك الموت، وثانياً غياب أي حاضنة إقليمية أو دولية تقبل باستيعاب الفلسطينيين المهجرين، نظراً للتكلفة السياسية والإنسانية الباهظة.
ويؤكد أن السيناريو الثاني، وهو الأقرب حتى اللحظة، يتمثل في التدمير الممنهج للقطاع مع إبقاء جزء من السكان تحت السيطرة الإسرائيلية.
ويوضح بشارات أنه وفق هذا السيناريو، تسعى تل أبيب إلى تقليل الوجود البشري عبر الإبادة، ثم الانتقال إلى مرحلة إعمار مُوجّه ومشروط يخدم مصالحها الأمنية والعسكرية والاقتصادية، مع توظيف من تبقى من سكان غزة كقوة عمل ضمن معادلة خاضعة لإشراف الاحتلال.
ويربط بشارات هذا المسار بما أعلن عن خطة أمريكية يشرف عليها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي، والتي تهدف لإعمار غزة بطريقة تحقق مصالح واشنطن وتل أبيب.
أما السيناريو الثالث، فرغم ضآلة فرص تحققه، فهو غير مستبعد تماماً، وفق بشارات، موضحاً أنه يتمثل في إمكانية أن تقود التحولات الميدانية، أو الضغوط الشعبية في إسرائيل، أو الحراك الجماهيري الدولي، أو حتى التغيرات السياسية على المستوى الإقليمي والعالمي، إلى إجبار الاحتلال على وقف الحرب تحت ضغط الخسائر الإنسانية والسياسية المتفاقمة.
ويشدد بشارات على أن استمرار الصمت العربي والإسلامي يمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لمواصلة حربها، مؤكداً أن المطلوب هو إعادة تقييم جاد للدور العربي والإسلامي والدولي في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
ويرى بشارات أن الجلسة المرتقبة للجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 من الشهر الجاري، قد تشكل فرصة تاريخية للضغط من أجل إصدار قرار دولي يُلزم إسرائيل بوقف عدوانها، وإلا فإن الحرب ستستمر بلا كوابح، على حساب الشعب الفلسطيني ومستقبل القضية برمتها.
تصعيد خطير يعكس إفلاس حكومة الاحتلال
يعتبر الكاتب والمؤرخ حسام أبو النصر أن إعلان إسرائيل بدء العملية البرية في قطاع غزة بعد فشل عملية "عربات جدعون الثانية" يمثل تصعيداً خطيراً يعكس إفلاس الحكومة الإسرائيلية ومحاولتها إنقاذ نفسها من أزماتها الداخلية.
ويوضح أبو النصر أن إنذار أهالي مدينة غزة بإخلاء منازلهم والتوجه نحو الجنوب، رغم غياب أي مناطق آمنة، يكشف أن الاحتلال ماضٍ في سياسة التدمير والتهجير القسري.
ويؤكد أبو النصر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى عبر هذا التصعيد إلى تثبيت حكومته والإحراج بعد الضربة التي تلقتها العاصمة القطرية الدوحة، رافضاً أي حلول جزئية أو كلية مطروحة، في ظل إدراك الولايات المتحدة نفسها لخطورة التصعيد البري خصوصاً على ملف الأسرى، لكن ذلك لا يشكل رادعاً حقيقياً لإسرائيل.
إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وحشد الطاقات
وحول الموقف العربي، يشير أبو النصر إلى أن القمة العربية والإسلامية الأخيرة في الدوحة جاءت مخيبة للآمال، ولم تقدم أي خطوات عملية لوقف العدوان، ما يستدعي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني عبر إنهاء الانقسام وحشد الطاقات باتجاه تحرك دبلوماسي أوسع ضد إسرائيل.
ويلفت إلى أن الاتحاد الأوروبي يُظهر مواقف أكثر دعماً للقضية الفلسطينية، خصوصاً في ما يتعلق بمقاطعة منتجات الاحتلال ووقف إمدادات السلاح، وهو ما يمكن البناء عليه لتضييق الخناق الاقتصادي على إسرائيل.
ويشدد أبو النصر على أهمية إحداث اختراق في الساحة الأمريكية عبر جهود فردية ومؤسسية قادرة على تغيير بعض المواقف في واشنطن من أجل الضغط على إسرائيل لوقف حرب الإبادة في قطاع غزة.
ويؤكد أبو النصر أنه يتوجب على الدول العربية، بعد قمة الدوحة، تكثيف إرسال المساعدات والضغط لإدخالها إلى غزة، مشدداً على أن ادعاءات الاحتلال بوجود "منطقة إنسانية" مجرد ذرائع للتغطية على استمرار الحصار والخنق الممنهج للشعب الفلسطيني.





شارك برأيك
مع انطلاق الحرب البرية.. سيناريوهات مفتوحة ونزوح نحو المجهول