عربي ودولي

السّبت 20 سبتمبر 2025 8:39 صباحًا - بتوقيت القدس

مشكلة إسرائيل الوجودية

واشنطن- سعيد عريقات - "القدس" دوت كوم

على الرغم من تفوقها العسكري، وتقدمها التكنولوجي، والدعم اللامحدود الذي تتلقاه من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، تبقى إسرائيل أسيرة معضلة وجودية عميقة لا تتعلق فقط بالأمن أو الحدود، بل تمس جوهر هويتها، ومستقبلها، ومكانتها في المنطقة. لقد أُنشئت إسرائيل كملاذ لليهود في أعقاب المحرقة، على أساس رؤية تجمع بين الديمقراطية والأمن والبعث القومي. لكن وبعد ما يقارب ثمانية عقود، لا تزال الدولة عالقة في حالة دائمة من الحرب والاحتلال والصراع غير المحسوم. إن فشلها في ترسيم حدود نهائية، وإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، والتوفيق بين هويتها كدولة يهودية وديمقراطية، ولّد تناقضًا داخليًا متناميًا لا يمكن لأي انتصار عسكري أن يزيله.

تتمحور أزمة إسرائيل الوجودية حول التحدي الديموغرافي. فبين نهر الأردن والبحر المتوسط، يتساوى عدد الفلسطينيين مع عدد اليهود، بل تشير بعض التقديرات إلى أن الفلسطينيين قد باتوا أكثرية. إن الإصرار على السيطرة على ملايين الفلسطينيين دون منحهم حقوقًا متساوية لا يُقوّض فقط ادعاء إسرائيل بأنها ديمقراطية، بل يهدد أيضًا بعزلتها الدولية المتزايدة. أما محاولات إدارة هذا الواقع عبر الاحتلال الدائم أو التهجير القسري، فهي سياسات لا يمكن تحمل كلفتها على المستويات الأخلاقية والقانونية والإستراتيجية.

في الوقت نفسه، لا تزال شرعية إسرائيل الإقليمية هشّة. فرغم اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية، تبقى هذه العلاقات محصورة ضمن نخب سياسية واقتصادية، في ظل رفض شعبي عربي واسع، خاصة في ضوء الاعتداءات المتكررة على غزة والضفة الغربية. ومن دون حل عادل للقضية الفلسطينية، والذي ترفضه إسرائيل رفضا باتا، لا يمكن لها أن تندمج اندماجًا حقيقيًا في المنطقة، مهما عقدت من اتفاقيات تجارية أو أمنية. فمستقبلها كعضو معترف به وآمن في الشرق الأوسط سيبقى رهينة لصراع هي من سبب استمراره.

وعلى الصعيد الداخلي، تعاني إسرائيل من استقطاب اجتماعي متفاقم بين اليهود العلمانيين والمتدينين، وبين اليهود الأشكناز واليهود الشرقيين (المزراحيم)، وبين اليهود والفلسطينيين داخل الخط الأخضر، إضافة إلى الانقسام بين التيارات اليمينية المتطرفة والديمقراطية الليبرالية. ويُضاف إلى ذلك صعود اليمين الديني القومي، وتنامي الأيديولوجيات الميسيانية (التبشيرية)، وتزايد النزعات السلطوية، وكلها عوامل تقوض النسيج الاجتماعي الذي تحتاجه إسرائيل للحفاظ على استقرارها الداخلي على المدى البعيد.

في نهاية المطاف، التهديد الوجودي الحقيقي الذي يواجه إسرائيل ليس الهزيمة العسكرية، بل الشلل الاستراتيجي: العجز عن الحسم بين كونها دولة يهودية أو ديمقراطية، بين الاحتلال والشرعية، بين السيطرة الآنية والسلام المستدام. وكلما طال تأجيل هذه الخيارات المصيرية، ازداد الخطر بأن تنهار الدولة ليس على يد أعدائها، بل تحت وطأة تناقضاتها الذاتية.

محاولات إسرائيل المستمرة منذ نكبة عام 1948 للقضاء على الوجود الفلسطيني، سواء عبر التهجير القسري، أو الحصار، أو الاستيطان، أو القتل والتدمير، لم تنجح في إنهاء القضية الفلسطينية أو في طمس هوية الشعب الفلسطيني. على العكس، ورغم كل المعاناة، لا يزال الفلسطينيون متمسكين بأرضهم وحقوقهم، ويواصلون نضالهم من أجل الحرية والعدالة.

القضية الفلسطينية بقيت حيّة في الضمير العربي والعالمي، ولم تُمحَ من الوعي الجمعي، رغم محاولات تهميشها أو تجاهلها. وحتى اليوم، ورغم كل ما تعرض له الفلسطينيون من تهجير وعدوان وحصار، وتنكيل، لم يستسلموا، بل ظلوا يُعبّرون عن تمسكهم بحقوقهم، وبحق العودة، وبإقامة دولتهم المستقلة على أرضهم التاريخية.

وقد فشلت إسرائيل في كسر إرادة الفلسطينيين، لأن الارتباط بالأرض والهوية أعمق من أن يُمحى بالقوة. وكما فشلت المشاريع السابقة، ستفشل أيضًا المحاولات الحالية، سواء في غزة أو في الضفة أو في الشتات.


دلالات

شارك برأيك

مشكلة إسرائيل الوجودية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.