فلسطين

الأحد 07 سبتمبر 2025 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

"مدرسة ماجدة عوض".. خيام تعليمية تبعث الأمل لأطفال غزة

في أحد الصفوف الدراسية وسط قطاع غزة، يجلس محمد جواد، طفل في العاشرة من عمره، يتوسط زملاءه، وعلى وجهه ملامح ثقة لم تكن موجودة قبل أشهر، لكن ما يجهله كثيرون أنه بإعاقته الذهنية، لم يكن يومًا جزءًا من أي منظومة تعليمية، بل كان ضحية للتهميش، لكن قصته اليوم تُروى كأحد فصول النجاح النادر وسط ركام الحرب والحصار.

قبل انضمامه إلى المبادرة التعليمية (مدرسة ماجدة عوض)، لم يكن محمد يعرف الحروف أو الأرقام، فقد عاش في بيئة غير آمنة، يتنقل بين جدران من الصمت والخوف. لم يكن مجرد طفل خارج المدرسة، بل خارج الحياة. وفي خطوة محفّزة، أُطلق على محمد لقب "قائد الفصل". هذا اللقب الرمزي أعاد إليه الإحساس بالكرامة، وبدأت ملامح التحول تظهر تدريجيًا، من خلال استخدام أساليب تعليمية حديثة، مثل (العدّ بالحركة، اللعب، والمجسمات).

تحوّل محمد من طفل منسيِّ إلى محبوب بين زملائه، وبات يتفاعل، ويشارك، ويؤثر. كما أصبح ولاؤه للمدرسة يُحاكى بين أقرانه، وهذا هو جوهر التعليم المجتمعي: ليس عدد الدروس، بل كمّ القلوب التي شُفيت. رغم ضعف الإمكانات تحاول المبادرات التعليمية إنقاذ مستقبل الأطفال في غزة.

من الفكرة إلى المدرسة بين أصوات القصف ورائحة البارود، وُلدت تلك المبادرة الصغيرة التي تحولت لاحقًا إلى مدرسة تحتضن مئات الطلاب النازحين. من تحت أشجار الزيتون في مخيم الزوايدة، لاحظت المُعلِّمة ماجدة عوض مجموعة من الأطفال يتسلقون الأغصان ويتحدثون بقلق عن الحرب والموت. عندها أدركَت أن هؤلاء الصغار يواجهون خطرًا أكبر من فقدان منازلهم، وهو فقدان مستقبلهم.

تقول ماجدة عوض، مؤسِسة المدرسة: "شعرتُ أنه يجب عليَّ فعل شيء.. الأطفال كانوا في خطر، وكان لا بد أن نعيدهم إلى مقاعد الدراسة بدل تركهم فريسة للخوف والضياع". بدأت المبادرة بجمع بيانات الأطفال في المخيم، وسرعان ما التحق نحو 400 طالب من الصف الأول حتى التاسع. خلال أسابيع قليلة ارتفع العدد إلى 1500 طالب، ثم إلى ألفي طالب في غضون شهرين.

اعتمدت المدرسة على التعلم باللعب والفنون والتفريغ النفسي، فالأغاني الوطنية والألعاب الجماعية والرسم كانت جزءًا من الحصص، إلى جانب الدروس الأكاديمية، وذلك لأن اللعب لم يعد ترفًا بل علاجًا من الصدمات التي خلفتها الحرب.

رغم قلة الموارد، تسعى المبادرات التعليمية إلى تحسين مستقبل الأطفال في غزة.

رغم قلة الموارد، تسعى المبادرات التعليمية إلى تحسين مستقبل الأطفال في غزة.

تعمل المدرسة على معالجة الآثار النفسية التي نتجت عن حرب الإبادة الجماعية في نفوس أطفال غزة.

تعمل المدرسة على معالجة الآثار النفسية التي نتجت عن حرب الإبادة الجماعية في نفوس أطفال غزة.

منذ اللحظة الأولى لتأسيس مدرسة ماجدة، بدت المهمة أقرب إلى حلم مستحيل. لم تكن هناك موارد، ولا بنية تحتية، فقط إصرار من مجموعة معلمات متطوعات مدفوعات بواجبهن الأخلاقي، قررن أن يَمنحن الأطفال بصيص أمل في واقع تحاصره الحرب والمجاعة. في مشهد يعكس حجم المأساة، جلس الأطفال على الرمال بدل المقاعد، وكتبوا بأقلام مكسورة على ألواح خشبية مؤقتة.

تتابع ماجدة: "لم تكن هناك سبورات ولا أدوات تعليم، فقط العزيمة على أن يظل الحرف حيًا وسط الخراب". وتضيف: "كل يوم دراسي كان مجازفة، الحرب لا تنتظر انتهاء الحصة، كانت العملية التعليمية في حد ذاتها صراعًا من أجل البقاء، يخوضه طاقم المدرسة والطلاب على حد سواء".

وفي ظل تحديات الحرب والنزوح، لم يكن هدف المدرسة تقديم المعرفة فحسب، بل خلق بيئة آمنة تعيد للأطفال الثقة والأمل، ومن خلال هذه الرحلة، ظهرت قصص ملهمة تجسد أثر المبادرة على الأطفال.

ميار خضر إحدى طالبات المدرسة تتحدث عن تجربتها وتقول بابتسامة خجولة: "بحب معلماتي وزملائي.. ما كنتش أقرأ في البيت، لكن المدرسة أعطتني فرصة وتعلمت القراءة وتحسنت". أما أطفال الصف الأول، الذين لم يلتحق كثير منهم برياض الأطفال، فقد استفادوا من برنامج تربوي يمزج اللعب والخيال والتعلم.

تقول المعلمة سميرة أبو شعر: "في غزة، التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل مقاومة نفسية واجتماعية ومساحة أمل يُبنى فيها ما دمرته الحرب". ورغم أن الحرب أرهقت البنية النفسية للأطفال، فإن التعليم كان بارقة الأمل.

تختم ماجدة عوض رسالتها بالقول: "نحاول أن نعيد للأطفال طفولتهم وحقهم في التعليم، وخلق مساحة آمنة تجمع بين التعليم، الدعم النفسي، والفن، لتمنح أطفال غزة بارقة أمل في ظل الظلام الذي خلفته الحرب".

دلالات

شارك برأيك

"مدرسة ماجدة عوض".. خيام تعليمية تبعث الأمل لأطفال غزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.