حين كتب غسان كنفاني روايته/ روايتنا "عائد إلى حيفا"، لم يكتب عن بيت ضائع أو ابن مفقود فحسب، لكنه ذهب الى أبعد من ذلك، وسردا بين سطور الرواية، قصة بنية استعمارية أعادت تشكيل الوعي الفلسطيني، وفرضت عليه أن يعيد النظر في مفاهيم الانتماء والهوية والعدالة.
سعيد وصفية، الزوجان اللذان يعودان إلى بيتهما في حيفا بعد عشرين عامًا من النكبة، لا يعودان بدافع الحنين أو المصالحة، ولكن بدافع البحث عن الابن الذي تركاه خلفهما، فهذه العودة، التي تمت على الأرجح بتصريح إسرائيلي، لا تحمل طابعًا تصالحيًا، لكنها مواجهة مع الذات، ومع التاريخ، ومع ما تبقى من الذاكرة.
إلا أن اللقاء مع " ميريام"، المرأة اليهودية البولندية التي تبنّت الطفل الفلسطيني، كشف عن تعقيد العلاقة بين الضحية والجلاد.
ميريام، التي تستحضر الهولوكوست أثناء حديثها، لا تفعل ذلك من باب التعاطف، فقد جاءت صورة الضحية في الهولوكوست، كتبرير ضمني لاحتلال البيت وتبني الطفل. فكنفاني لا ينكر بمأساة اليهود، لكنه يُظهر كيف تُستخدم هذه المأساة لتبرير مأساة أخرى، مما يُعقّد فكرة العدالة ويُفرغ الحوار من مضمونه. وقد خلق في هذا المشهد فكرة مغايرة للسائد في حينه وفي وقتنا الحالي، بأن التوازي بين الهولوكوست والنكبة لا يُنتج تعاطفًا، بل تصادمًا في السرديات.
ولأن ميريام لا تعترف ميريام بشرعية الرواية الفلسطينية، بل ترى نفسها مستحقة للمكان والطفل، لم يختر كنفاني اسمها اعتباطًا "فمريم" في الوجدان العربي اسم قداسة وأمومة مشتركة، أما "ميريام" بصيغتها العبرية فتقطع هذا الخيط المشترك لتضع الشخصية في موقع الغريب/المغتصب. ومنه يميز كنفاني بين الأم الفلسطينية صفية، الجذر الشرعي والذاكرة الحقيقية، وبين "ميريام" التي تجسد الاغتصاب الرمزي للأمومة والوطن معًا، فكما ربت ابنًا ليس لها، أقامت دولة على أرض ليست لها، وظل الاسم بصيغته العبرية ليؤكد الغربة والقطيعة، وليربط بين شخصية المرأة وبين المشروع الاستيطاني نفسه.
وفوق هذا كله، لا تأتي الصدمة من ميريام، بل من "دوف"، الطفل الفلسطيني الذي أصبح جنديًا في جيش الاحتلال، ويرفض الاعتراف بأبويه البيولوجيين، وكأنه يصعب علينا الأمر -وهو متقصد بذلك عبر عدة صدمات أخلاقية وانسانية- ، فهذا التحول لا يُقدَّم كخيانة، بل كنتاج طبيعي لإكراهات التاريخ، مما يعكس رؤية كنفاني بأن الهوية ليست بيولوجية، بل سياسية وثقافية. فدوف لا يُستعاد، لأنه لم يعد خلدون، بصورة تتجلى فيها مأساة الهوية المفقودة، التي لا تُستعاد بالدم، ولكن بالوعي والمقاومة.
ومن المهم ملاحظة أن سعيد لم يأتِ ليحاور دوف، بقدر ما كان يريد استعادته، لكن الاستعادة لم تعد ممكنة، وما ضاع لا يُسترد إلا من خلال مشروع جديد، وليس عبر استرجاع الماضي.
هذه الرؤية مرتبطة بالتحليل التاريخي الذي قدّمه كنفاني في كتابه تحليل ثورة 1936–1939 في فلسطين. فالرواية، وإن كانت سردية أدبية، تنبض بنفس الوعي السياسي الذي يتغلغل في تحليل كنفاني للثورة الفلسطينية الكبرى، حيث يُفكك البنية الطبقية والسياسية التي أدت إلى اندلاع الثورة، ثم إلى إجهاضها. فالثورة لم تُهزم عسكريًا، لكنها خُنقت سياسيًا، بفعل تحالف ثلاثي، الرجعية الفلسطينية التي كانت مرتبطة بمصالح الإقطاع والوجاهة، الأنظمة العربية التي لعبت دورًا وظيفيًا في احتواء الغضب الشعبي، والسلطة البريطانية التي وفّرت الغطاء القانوني والعسكري للمشروع الصهيوني.
هذا التحليل يُلقي بظلاله على العمل الروائي، فقد ذهبت الى ما هو أبعد من فقدان فردي، الى الفقدان الجماعي، وعن مشروع وطني تم تفكيكه، وطبقات اجتماعية تم تهميشها، وعن وعي تم تشويهه، فحين يقول سعيد في نهاية الرواية إنه سيُربّي ابنه خالد ليكون مقاتلاً، لا باحثًا عن أخيه، فإنه لا يتحدث عن العنف، بل عن استعادة الوعي، وعن بناء مشروع مقاوم لا يقوم على العاطفة، لكنه يتأسس على الفهم العميق لطبيعة الصراع.
"عائد إلى حيفا" تُجسّد مأساة الهوية، وتحليل ثورة 1936 يُجسّد مأساة الثورة. فكنفاني يُظهر كيف أن الرجعية، المهيمنة، لم تكن مؤهلة لقيادة ثورة شعبية، لأنها كانت مرتبطة بمصالحها الطبقية، ولم تمتلك رؤية ثورية حقيقية، وفي حين كانت تُراهن على الوساطات والوعود البريطانية، والتي ذهبت ببعضها الى حد الاتفاقات العشائرية الثنائية، كانت تُراهن أيضا على الحوار، لا على الفعل. وهنا تتقاطع الرواية مع التاريخ، فكما أن الحوار مع ميريام لم يُنتج اعترافًا، فإن الحوار مع الاستعمار لم يُنتج استقلالًا.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن نُعيد النظر في التخوف من التطبيع، ومن أي حوار قد يقود إليه أو -يعتقد البعض أنه سيقود إليه-، فهذا التخوف حين يتحول إلى "هوس" يصبح غير واعٍ بطبيعة الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري، ويُفقدنا البوصلة، فإسرائيل، كبنية استعمارية توسعية، لا تسعى حقيقة إلى التطبيع، فهي تراه خيانة لمشروعها، تمامًا كما يراه الفلسطيني خيانة لحقه، وهي لا تريد الاعتراف، ولكن الهيمنة، لذلك فإن التطبيع، حين يُقدَّم كحل لإنهاء المجازر، هو محض وهم، حتى لو كان هذا الوهم نابعًا من هول المجزرة نفسها، - والحديث هنا عن الناس، وليس الأنظمة-. فالبعض في لحظة الذعر والدم، يظنون أن الحوار قد يُنقذهم، لكنهم لا يدركون أن الحوار لا يُغيّر في بنية استعمارية اختبرت قوتها على امتداد المنطقة، وأثبتت أنها لا تُهادن، ولا تُراجع مشروعها، بل تُعيد إنتاجه بأدوات أكثر عنفًا.
حتى الحوار مع الإسرائيلي الرافض للفكر الاستعماري، لا يُشكّل حلًا سحريًا أو سريعًا لوقف المجازر. لأنه من المفترض، بداية لتحالف أخلاقي–سياسي ويحتاج لنضال طويل وعميق ضد الآلة الاستعمارية الممنهجة، التي لا تعمل بمعزل عن الاستعمار العالمي. هذا التحالف لا يُبنى على النوايا، ولكن على الفعل والتنظيم، والوعي بضرورة تفكيك البنية، وإعادة تعريف العلاقة بين الضحية والرافض داخل منظومة القهر، وكما أن كلمة " الحوار" تصبح صيغة مجازية، لأن الرافض للبنية الاستعمارية هو جزء من الفعل لا محاور فيه أو من خارجه.، ويشارك في الفعل لا الحوار.
وهكذا، فإن الوعي الفلسطيني، حين يُدرك هذه المعادلة، فهو يُراهن على بناء مشروع مقاوم لا على الحوار كخلاص، ويبدأ من الذات، ويمتد إلى التحالفات، ويُعيد تعريف الممكن، لا بوصفه ما يُعرض علينا، ولكن ما نُعيد نحن تشكيله، وهذا بالضبط ما فعله كنفاني، لم ينتظر ميزان القوى كي يكتب، لكنه كتب ليعيد تشكيله.
الوعي بحد ذاته مقاوم، ولا يحتاج أن تُضاف إليه كلمة "مقاومة" لتمييزه، لكن بشرط أن يكون هذا الوعي واعيًا بطبيعة الهيمنة، وبنية الاستعمار، وموقع الذات في التاريخ والصراع. فإذا كان الوعي بحد ذاته مقاومة، فإن كل مقاومة تنشيء وعيها وتبدأ بوعي الواقع. بشرط أن لا يكتفي بفهم الواقع، بل يُفككه، ويُعيد بناء الذات في مواجهته. ويرفض التكيف مع شروط القهر، ويُعيد تعريف الممكن، كما يُنتج فعلًا سياسيًا حتى من أبسط تفاصيل الحياة اليومية، على قاعدة أن الأفكار تنشأ من الواقع لا العكس.
هذا الوعي هو ما يجعل من الكتابة فعلًا مقاومًا، والحياة بتفاصيلها مقاومة دون شعارات حماسية، او انتشاء ثوريا كاذبا وهو ما يجعل من الفلسطيني، حتى في لحظة الحصار، فاعلًا في التاريخ، لا مجرد ضحية له. وهو ما يجعل من مشروع كنفاني، في جوهره، دعوة إلى بناء وعي لا ينتظر التوازن العسكري، بل يُعيد تشكيله من الداخل، من اللغة، من السرد، من الموقف، ومن الإيمان بأن الحق لا يُستعاد إلا حين يُفهم، ويُحمل، ويُعاد إنتاجه في كل جيل.
وإذا كانت السياسة الرسمية عالميا تفرض أشكالًا معينة من الحوار أو التفاوض، فإن ذلك لا يعني أنها نهاية المطاف ونهاية الفعل الشعبي والجماعي، بل على العكس، فإن الفعل الشعبي والجمعي يجب أن يُعيد انتاج أدواته الخاصة، من موقعه الأخلاقي والتاريخي. وهذا لا يعني أن هناك تناقضًا بين السياسي والشعبي، بل أن التكامل بينهما هو ما يُنتج فعلًا حيًا، قادرًا على أن يُراكم الوعي، ويُعيد تعريف أدوات النضال، ويمنع تحويل الحوار إلى غطاء للهزيمة أو إلى وسيلة لتجميل الاستعمار.
في النهاية، لا يعود خلدون إلى والديه، ولا يعود البيت إلى أصحابه، لكن ما يعود هو السؤال: كيف نُربّي خالد؟ كيف نُعيد بناء المشروع؟ كيف نُحرّر الوعي من سرديات الهزيمة؟ كيف نُعيد تعريف الحوار، لا كتنازل، بل كأداة تفكيك للهيمنة، حين يكون من موقع القوة الأخلاقية، لا من موقع الضعف السياسي؟ وكيف نُعيد الاعتبار لفكرة أن الوعي، حين يكون نقديًا، تاريخيًا، متجذرًا في فهم بنية القهر، هو مقاومة في ذاته، حتى دون أن يُسمّى كذلك.





شارك برأيك
غسان كنفاني والحوار المستحيل.. البيت والابن والوعي