أقلام وأراء

الأربعاء 03 سبتمبر 2025 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

التهجير هو هدف عملية مركبات جدعون الثانية

الكمين المركب ضد القوات الإسرائيلية  في حي الزيتون في مدينة غزة، الذي أوقع خسائر كبيرة في صفوفها، يثبت وجاهة تخوفات رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير من ان عملية مركبات جدعون الثانية لاحتلال مدينة غزة ستكون ذات كلفة عالية من قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين. هذا التحذير لم يلق أذنا صاغية من نتنياهو ومجلس الوزراء الأمني المصغر، واتخذ قرارا بالمضي قدما في العملية دون اعتبار لكلفة الخسائر التي سيتكبدها الجيش، لأن الهدف الأساسي للعملية كما حدده نتنياهو دفع الغزيين للنزوح القسري تحت ضغط العمليات الميدانية تمهيدا لتهجيرهم خارج القطاع، بالإضافة الى أن احتلال كامل قطاع غزة سيوفر له "صورة النصر" التي يسعى لتحقيقها، مما سينقذه شخصيا ويمنع سقوط حكومته. 

ومنذ الساعات الأولى للحرب، حرصت إسرائيل على تسويق خطاب سياسي وإعلامي، يقوم على أن غايتها النهائية هي احتلال قطاع غزة، للقضاء على حركة حماس وتحرير الأسرى الإسرائيليين. لكن هذا الخطاب، عند إخضاعه للتحليل، يبدو غطاءً دعائياً أكثر منه تعبيراً عن أهداف حقيقية قابلة للتحقق. فالمعطيات الميدانية والاعترافات الصادرة عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين تجعل من الواضح أن ما يُعلن لا يعكس بالضرورة ما يُخطط.

وكان جرس الخطر الديمغرافي قد رن في اسرائيل، عندما أظهرت إحصاءات عام 2014 الصادرة عن جهازي الإحصاء الفلسطيني والإسرائيلي، أنّ عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية (من البحر إلى النهر) بلغ حوالي 6.08 مليون نسمة، مقابل 6.10 مليون يهودي، أي بفارق طفيف، الذي سرعان ما سيتبدّد في السنوات المقبلة، مع رجحان الكفة لصالح الفلسطينيين بسبب ارتفاع نسبة التوالد الطبيعي لديهم مقارنة باليهود. هذا الواقع الديمغرافي بات يُقلق إسرائيل التي قامت على فكرة "الدولة اليهودية"، إذ لم يعد الصراع مجرد مسألة أمنية أو مواجهة مع حركات مقاومة، بل صراع هوية. من هنا يمكن فهم أنّ العملية العسكرية على غزة لا تستهدف فقط حماس كما يُسوَّق إعلامياً، بل تحمل مشروعاً أوسع، يتمثل في دفع الفلسطينيين إلى الهجرة الجماعيه "اللاطوعية" تحت ضغط القصف والتجويع.  

وكانت إسرائيل قد استحدثت في العام 2013 وحدة عسكرية استراتيجية، أطلق عليها اسم (منظمة تحريك السكان)، بقيادة العميد "أودي بارموحا". وتمت بلورة نظرية تحريك السكان من قبل فريق متعدد الاهتمامات والتخصصات، كجزء من الخطط العملياتية لاجتياح مستقبلي في قطاع غزة. وفي عملية " الجرف الصامد" عام 2014 تم تجريب الأساليب المُطوّرة لهذه الوحدة لأول مرة، وأصبحت أسلوبا من أساليب القتال في عملية  حارس الأسوارعام 2021 ، وفي سياق نظرية "تحريك السكان"، قُسّم قطاع غزة إلى كتل، بحدود قطاعية ترتكز على منظور ما هو قائم في قطاع غزة، لا على منطق مفروض من الخارج، بحيث أن حدود الكتلة مطابقه للقرى والمدن والشوارع والأحياء والأزقة في القطاع.   

صحيح أن القضاء على حماس، هو أحد أهداف المعلن عنها لعملية عربات جدعون (2) لاحتلال مدينة غزة ومخيمات المنطقة الوسطى. الا أن تواجد حماس ليس محصورا في مدينة غزة حتى يُقال إن السيطرة على المدينة يعني القضاء عليها، فهي تملك أذرعاً ممتدة في الشمال والجنوب والوسط، مما يجعل الحديث عن القضاء عليها بعمل عسكري داخل المدينة يبدو طرحاً مبسطاً الى درجة كبيرة من السذاجة. بكلمات أخرى فإن ما يجري الآن وما سيجري لاحقا هو قصف عشوائي لمناطق مدنية أكثر مما هو حرب ضد أهداف عسكرية. وهذا بحد ذاته يكشف عن زيف الرواية الرسمية، بأنه إذا لم تعد هناك أهداف عسكرية، فما الذي يبرر استمرار القصف واجتياح الأحياء السكنية وقتل المدنيين بشكل ممنهج؟!! 

أما بشأن الهدف الآخر المعلن لعملية عربات جدعون الثانية تحريرالأسرى الإسرائيليين من قبضة حماس، والذي عادة ما يرفع باستمرار كشعار مبرر لاستمرار الحرب، فإن عملية تحرير هؤلاء الأسرى لا يمكن حسمها بعملية اجتياح بري لمدينة غزة. فشبكة الأنفاق التي حفرتها حماس تتمدد في سائر أنحاء القطاع، ما يجعل من المستحيل افتراض أن تحرير الأسرى سيُنجز بعملية عسكرية مركزة. بل على العكس، إن أي اجتياح عسكري واسع يجعل حياة الأسرى في خطر أكبر، بحسب تصريح كبار القادة العسكريين الإسرائيليين، هذا اذا أن تحرير الأسرى هو على أجندة اهتمامات الحكومة الإسرائيلية!!    

إذن، إذا كان القضاء على حماس غير ممكن عبر احتلال غزة، وإذا لم تعد هناك أهداف عسكرية ذات وزن، وإذا كان تحرير الأسرى مستحيلاً بالقوة، فما هو الهدف الحقيقي لعملية جدعون 2 ؟

إن الإجابة على هذا السؤال تتضح عند قراءة الخطط الاستراتيجية الإسرائيلية القديمة–الجديدة: تهجير سكان غزة. فالخطاب الذي يُبث في الإعلام الغربي والإسرائيلي يهيئ الرأي العام لتقبّل فكرة أن غزة لم تعد صالحة للعيش، وأن الحل الوحيد يكمن في تفريغها من سكانها. هذا ما يفسر الاستهداف الممنهج للبنية التحتية المدنية: المستشفيات، الجامعات، شبكات المياه والكهرباء، بل وحتى مقومات الحياة الأساسية.  فالغاية ليست فقط الضغط العسكري على حماس، وإنما خلق بيئة طاردة تجبر الناس إلى النزوح الجماعي.

وعند وضع ما يجري اليوم في سياقه التاريخي، يصبح واضحاً أن إسرائيل لا تفعل شيئاً جديداً. فالنكبة عام 1948 كانت النموذج الأول والأوضح: حينها لم يكن الهدف فقط هزيمة الجيوش العربية، بل تفريغ فلسطين من سكانها الأصليين عبر سلسلة من المجازر والعمليات العسكرية والنفسية، حيث أحرقت مئات القرى أو دُمّرت بالكامل، وتم تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني، ليصبحوا لاجئين في دول الشتات.

وتكرر المشهد في حرب 1967، حين دفعت إسرائيل بعشرات الآلاف من الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة نحو الأردن. كما شهدت مناطق مثل اللطرون وأريحا موجات تهجير واسعة تحت شعار "اعتبارات أمنية". وفي لبنان عام 1982، حين اجتاحت إسرائيل بيروت، كان الهدف المعلن إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. لكن في العمق كان الهدف تفريغ المخيمات الفلسطينية من سكانها وتحويلها إلى بؤر ضعيفة، وهو ما تجسد لاحقاً في المجازر مثل صبرا وشاتيلا، حيث استخدم القتل الممنهج كأداة لدفع الناس إلى الهجرة.

اليوم، ما يجري في غزة ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في هذا المسار. إسرائيل تدرك أن غزة مكتظة بالسكان (أكثر من 2.2 مليون نسمة في بقعة جغرافية ضيقة)، وتدرك أن هذه الكتلة البشرية تشكل العقبة الأكبر أمام أي مشروع إسرائيلي لإعادة تشكيل الخريطة الفلسطينية. ومن هنا، يصبح التهجير القسري هو الهدف الحقيقي، مهما حاولت إسرائيل تغطيته بشعارات "مكافحة الإرهاب" أو "تحرير الأسرى".

إن إسرائيل تعرف أن فكرة "حل الدولتين" لا تزال تتردد في أروقة السياسة الدولية، لكنها تسعى عبر هذا التهجير إلى إغلاق الطريق أمام أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة. فتهجير سكان غزة يعني تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد جيوب سكانية متناثرة، فاقدة للحد الأدنى من شروط السيادة. بهذا، يتحقق لإسرائيل ما هو أعظم من إنجاز عسكري مؤقت: كسر البنية الديمغرافية التي تُشكل العمق الاستراتيجي لأي مشروع فلسطيني مستقل. ومثلما كانت النكبة عام 1948 نقطة تحول في الصراع، فإن تهجير أهل غزة – إن تحقق– سيكون بمثابة نكبة ثانية تُعيد تعريف مستقبل القضية الفلسطينية لعدة أجيال قادمة.

قراءة ما يجري بعيداً عن الدعاية الإسرائيلية تكشف أن الحرب ليست ضد حماس فقط، بل ضد الوجود الفلسطيني برمته. وغزة اليوم ليست مجرد ساحة معركة، بل ساحة اختبار لمدى قدرة إسرائيل على فرض مشروع التهجير القسري في القرن الحادي والعشرين تحت مرأى ومسمع العالم. التاريخ يعلمنا أن ما يُطرح اليوم كـ"خيار عسكري" قد يكون في الحقيقة استمراراً لسياسة قديمة: إفراغ الأرض من أهلها ليتحقق المشروع الصهيوني على أنقاض شعب مهجر.



دلالات

شارك برأيك

التهجير هو هدف عملية مركبات جدعون الثانية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.